فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 9994

أحمد سعد الدين

الحكم التكليفي:

هو عند الأصوليين يتجلى في"خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء طلبًا أو تخييرًا"، أو"أثر هذا الخطاب"كما هو عند الفقهاء، ثم ينقسم هذا المفهوم إلى خمسة مستويات من الدلالة بحسب صيغة الخطاب المتضمن والمحتوي له:"الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة". ما يعنينا في هذا السياق المستوى الأول"الوجوب"وانشطاره وتفرعه -بحسب الأصوليين- إلى عدد من الأقسام، لعل من أهمها تفريعه بحسب المخاطبين به إلى عيني وكفائي. ويقصد الأصوليون بالواجب العيني ذلك الفعل الذي"طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين بعينه". أما الواجب الكفائي فهو ذاك الذي يروم الشارع حصوله"من جماعة المكلفين"من غير نظر إلى من يفعله أو يقوم به، وإنما مقصوده تحقق وقوعه من مجموع المكلفين. وإنما سمي واجبًا كفائيًا لأنه يكفي في حصول المطلوب به قيام بعض المكلفين بفعله دون البعض ولهذا فان ذمة من لم يفعل هذا الواجب تبرأ بفعل غيره وان لم يقم به احد مطلقًا فان الإثم واقع على الجميع.

والتقسيم إلى الكفاية والأعيان كما يكون في الواجبات يكون في المندوبات كالأذان، والإقامة، والتسليم، والتشميت، وما يفعل بالأموات من المندوبات فهذه على الكفاية. وعلى الأعيان كالوتر، والفجر، وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك ، والصدقات. وقد تكون الجزئية الواحدة فرض عين في حالة وفرض كفاية في حالة أخرى، فإذا تعين لإظهار الحق فرد بذاته كان أداء الواجب عينيًا، فإذا لم يكن في الجهة إلاّ طبيب واحد لا يحصل علاج المريض بدونه كان قيامه بهذا العلاج عينيًا، وكذا بالنسبة للإفتاء والإرشاد والأمر بالمعروف، فالمناط في اعتباره كفائيًا أو عينيًا هو إمكان تحقق المصلحة أو المطلوب الشرعي بغيره أو تعينه هو، ومع صيرورته واجبًا عينيًا فان أصله واجب كفائي إذ يسقط عنه التكليف بفعل الغير ولم يطلب فعله من كل فرد أصلًا. وقد يكون التكليف كفائيًا ثم ينقلب عينيا كما إذا كان في البلدة عدة أطباء ووجد المريض، ثم ارتحل الأطباء إلاّ واحدًا، أو ماتوا إلاّ واحدًا قبل علاج المريض ، فالتكليف بالعلاج كان كفائيًا عند وجود الأطباء في البلدة ولم يكلف به واحد منهم بعينه، ولما انفرد واحد منهم في البلدة تعين هو للتكليف بالعلاج وأصبح عينيًا عليه، ومثل ذلك يقال في جميع الواجبات الكفائية عندما يجري فيها مثل ذلك.

وعلى الجملة فإن الواجب الكفائي يتميز عن الواجب العيني بقصد الشارع ونظرته إلى كل منهما، فالقصد من الواجب الكفائي وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو درء المفسدة بقطع النظر عمن يصدر منه، فإذا وقع الفعل على الوجه المطلوب ارتفع التكليف به سواء وقع من فرد أو أكثر، ومن أي فرد كان. وهذا بخلاف الواجب العيني فان نظرة الشارع فيه إلى نفس المكلف ولذا فان الخطاب يتجه إلى الفاعل نفسه حتّى إذا عجز عن القيام بالفعل لم يطلب الشارع وقوعه من غيره لأن المصلحة التكليفية ترجع إلى نفس المكلف.

وأمثلة فروض الكفاية كثيرة وتنقسم إلى ديني ودنيوي:

فالديني: ما يتعلق بأصول الدين وفروعه:

مثل القيام باقامة الحجج والبراهين القاطعة على إثبات الصانع وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، وإثبات النبوات، ودفع الشبه والمشكلات. والاشتغال بعلوم الشرع من تفسير وحديث وفقه، والتبحر في ذلك. وتصنيف الكتب لمن منحه الله فهما واطلاعًا. وحفظ القرآن والحديث ونقل السنن. والاجتهاد فلو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه واشرفوا على خطر عظيم. وتعليم الطالبين والافتاء. وتولية القضاء. وتحمل الشهادة وأداؤها. وتولي الإمامة العظمى . والجهاد حيث الكفار مستقرون في بلادهم، أما إذا ديست أرض الإسلام ففرض عين. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية ، قال تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران:104. ودفع ضرر المحاويج من المسلمين من كسوة وطعام إذا لم تندفع بزكاة أو بيت مال، ومثله محاويج أهل الذمة. وإغاثة المستغيثين في النائبات. وإقامة الجماعة والأذان والإقامة. وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم. ورد السلام حيث المُسّلَّم عليه جماعة.

والقسم الدنيوي: كالحرف والصناعات وما به قوام المعاش والشراء والحراثة وما لابد منه حتّى الحجامة والكنس، وعليه عمل الحديث:"اختلاف أمتي رحمة للناس"ومن لطف الله عز وجل إن جبلت النفوس على القيام بها. وقد عد العلماء الحرف والصناعات وأنواع الزراعات من فروض الكفاية لأنه لا يقوم أمر الدين والدنيا إلا بها وتركها فيه هلاك ومفسدة ويلزم أن يقوم بها من تحصل الكفاية بفعله وإلا أثمت الأمة وعدها الغزالي في الوسيط من فروض الكفاية المناكحات وهو مشكل على طريقته في الصنائع لأن الطبع يحث عليها. كما عدوا من فروض الكفاية الاشتغال بعلم الطب، وألحق به وفاقًا للغزالي الحساب.

التخصص قد غدا من فروض الكفاية وهو متعيَّن فيمن تهيأ له ويؤدي إلى تقسيم العمل وتجويده وإحسانه وبلوغ الثمرة المرجوة منه. إنَّ إنشاء مخبز في بلد من فروض الكفاية على أهل البلد . هناك علوم هي من قبل فرض الكفاية .. إن قامت به بعض المسلمات سقط عن الأخريات .. مثل تمريض النساء وتطبيبهن، وتوليدهن، وتعليمهن وهذه الأمثلة التي ضربها الفقهاء إنما هي على سبيل المثال وهي ما يناسب حاجات مجتمعاتهم، وبالإمكان أن نضيف إليها قائمة أخرى مما استجد من حاجات في عصرنا، ومعظمها مما يقع في القسم الدنيوي، أما في القسم الديني فلا تعدو الإضافات أن تكون صورًا جديدة من المصالح الدينية التي نص عليها العلماء قديما.

ففي القسم الديني:

ـ التركيز على دفع الشبهات التي تثيرها المذاهب الفكرية المعاصرة.

ـ التجديد في وسائل إقامة الحجج والبراهين وفقا لمنطق العصر وعلومه.

ـ الاشتغال بعلوم الشرع من منطلق تطبيقها على الحياة المعاصرة.

ـ تصنيف الكتب وفقًا لمخطط يسد الثغرات الناشئة عن توقف الحياة الفكرية بسد باب الاجتهاد لعدة قرون.

ـ استخدام مختلف الوسائل في تيسير وصول القرآن والحديث والعلوم الشرعية إلى الناس من موسوعات ومعاجم وفهارس وأدمغة الكترونية ووسائل الاتصال الأخرى.

ـ إقامة مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ومؤسسات إعداد المجتهدين بما يكفل ازدهار الاجتهاد وأداءه وظيفته.

ـ إقامة مؤسسة الإمامة بما يكفل وحدة المسلمين وتعاونهم وتطبيق الشورى.

ـ الاكتفاء الذاتي في الصناعات الحربية بما يكفل القيام بواجب الإعداد دون اعتماد على غير المسلمين.

ـ تعميم الإعداد والتعبئة الشاملة للأمة بما يكفل دفع العدوان عنها وحماية السلام العادل.

ـ إقامة مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن أنظمة متخصصة متطورة تكفل تحقيق الوظيفة دون تعسف في الفهم أو إساءة في الممارسة ، ومع بقاء دور الأفراد كاملًا غير منقوص وكفالة وتنظيم قيامهم بهذا الواجب.

ـ وضع النظم وإقامة المؤسسات الكفيلة بتأمين ضرورات المعيشة من غذاء وكساء ومسكن وصحة وتعليم مجانًا لغير القادرين وتنظيم التأمينات الاجتماعية بكافة صورها لجميع المواطنين.

وفي القسم الدنيوي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت