وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوراقًا من التوراة وأخبر أنه لو اتبع أحد موسى - عليه السلام - بعد بعثته صلى الله عليه وسلم لكان من الضالين. ففي مسند أحمد عن عبد اللَّه بن ثابت رضي الله عنه قال: جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، إني مررت بأخٍ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عبد اللَّه - يعني ابن ثابت - فقلت: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: رضينا بالله تعالى ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. قال: فسرى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» (10) .
فالرسول صلى الله عليه وسلم إذًا هو النبي الخاتم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة والاتباع المقدم على غيره من جميع الأنبياء والمرسلين، وكان إمامهم لما اجتمعوا ببيت المقدس ليلة الإسراء، وقد أخبر اللَّه في كتابه أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده ولكنهم يكتمون الحق مع وضوحه، قال تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [البقرة: 146] ، وقد شهد بعض علماء أهل الكتابين بالنبوة والرسالة لرسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم واتبعوه ودخلوا في دينه، وأكتفى هنا بذكر شهادة بعضهم، ففي البخاري عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال: بلغ عبد اللَّه بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم - فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خبرني بهن جبريل آنفًا» . فقال عبد اللَّه: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها» . قال: أشهد أنك رسول اللَّه، ثم قال: يا رسول اللَّه، إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد اللَّه البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام ؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيتم إن أسلم عبد اللَّه ؟ قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه (11) .
وشهادة عبد اللَّه بن سلام وهو من أعلام اليهود قبل إسلامه لمن أعظم الشهادات لنبينا صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، وقد بينت هذه الشهادة أن اليهود قوم بهت وأصحاب ضلالات وانحرافات استحقوا بها غضب اللَّه عليهم، نعوذ بالله من الخذلان. وللحديث صلة إن شاء اللَّه.
(1) البخاري كتاب اللباس (ج10/275) .
(2) هي كل شجرة ذات شوك.
(3) صلتا: بفتح الصاد وضمها، أي: مسلولاً.
(4) فشام السيف يعني: غمده ورده في غمده.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب 84 جـ6/96، ومسلم في كتاب الفضائل باب 4 (ج5/1786) واللفظ له.
(6) أخفاء من الناس وحسر: فسر في رواية أخرى بأنهم شباب خرجوا مستعجلين ليس عليهم سلاح ولا معهم دروع، وقد واجهوا قومًا رماة من المشركين.
(7) يعني كأنها قطعة من جراد. قال في النهاية: الرجل بالكسر: الجراد الكثير.
(8) انظر شرح النووي على مسلم جـ12/117 .
(9) محاسن التأويل جـ4 /875 - 876 .
(01) مسند أحمد جـ4/265، 266 .
(11) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء باب 1 جـ6/362 .