فهرس الكتاب

الصفحة 4656 من 9994

وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللَّه - رضي الله عنهما - قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قِبَلَ نجد، فأَرْكنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العَضَاة (1) ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. قال: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صَلْتًا (3) في يده، فقال لي: من يمنعك مني ؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني ؟ قال: قلت: اللَّه. قال: فشام السيف (4) ، فها هو جالس» ، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ، ومع هذا العفو والصفح كان من أشجع الناس، بل إنه قد بلغ فيها مكانة عظيمة لم يصل إليها أفذاذ الأبطال كخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب وغيرهما ممن عرفوا بالبطولات والشجاعات النادرة، ففي صحيح مسلم عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال: أشهد على نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم ما ولىَّ، ولكنه انطلق أَخِفَّاءُ من الناس وحُسَّرٌ (6) من هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم بِرَشْق من نبل، كأنها رِجْلٌ من جراد (7) فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللهم نَزِّلْ نصرك» . قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يُحَاذِي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الجواب الذي أجاب به البراء - رضي اللَّه عنه - من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام: أفررتم كلكم؟ فيقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم وافقهم في ذلك، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن جماعة من الصحابة جرى لهم كذا وكذا (8) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث عن نفسه: أنا ابن عبد المطلب، ونسب نفسه إلى جده دون أبيه؛ لأن شهرته بجده أكثر، وقد توفى عبد اللَّه شابًا في حياة أبيه عبد المطلب، وكان عبد المطلب مشهورًا شهرة ظاهرة شائعة، فإن قيل: كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن عبد المطلب» مع أنه لا يجوز أن يضاف عبدٌ إلا اللَّه عز وجل ؟ فالجواب: إن هذا ليس إنشاءً، بل هو خبر، فاسمه عبد المطلب ولم يسمه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يعد هذا إقرارًا ولكنه خبر عن أمر واقع، والحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في الميدان شجاعًا قويًا، حتى ثاب إليه أصحابه، وقاتل بهم حتى انتصر نصرًا ساحقًا على أعدائه، وأمسوا في قبضته، ولهذا الموقف نظيره في أحد أيضًا، ومثل هذه المواقف تدعو أصحاب البصائر إلى وجوب الإيمان برسالته واتباع دينه توخيًا للحق، وطلبًا للنجاة من العذاب، وفوزًا بالنعيم المقيم الذي أعده رب العالمين لمن آمن وصدَّق واتبع خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، ولقد أخذ اللَّه العهد الميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث فيهم، وأن هذا شرع شرعه وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم. قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [آل عمران: 81] . قال القاسمي رحمه اللَّه: «اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعًا لعذرهم وإظهارًا لعنادهم، ومن جملتها ما ذكره اللَّه تعالى في هذه الآية، وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم، وإن كان ناسخًا لبعض أحكامهم بما دلت الحكمة على اقتضاء الزمان ذلك، آمنوا به ونصروه أيضًا، ولا يمنعهم ما هم فيه من العلم والنبوة من اتباع شرعه ونصره، وأخبر أنهم قبلوا ذلك، وحكم بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين...، وقد روى عن علي بن أبي طالب وابن عباس - رضي اللَّه عنهما: ما بعث اللَّه نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث اللَّه محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ومن أثر علي هذا فهم بعض العلماء اختصاص هذا الميثاق نبينا صلى الله عليه وسلم كما نقل القاضي عياض في الشفاء عن أبي الحسن القابسي قال: اختص اللَّه تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بفضل لم يؤته غيره أبانه به، وهو ما ذكره في هذه الآية» (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت