وقد ذكر ابن حزم الأدلة على ما ذهبوا إليه، ومنها الحديث المتقدم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..".
ومما استدلوا به حديث نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التبتل، وقد كان عمر -رضي الله عنه- شديد التحريض عليه حتى لفقراء الناس، وكان يعتقد أن الزواج فيه مفتاح الرزق، فكان يقول: (ابتغوا الغنى في الباءة) أي الزواج. وكان إذا رأى رجلاً عزباً أنبه ورماه بألفاظ تثير حفيظته ليسرع إلى الزواج، فقد رأى أبا الزوائد وقد تقدمت به السن فقال له: (ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور) .18
والخلاصة:
فالزواج ليس بفرض، إلا أن يخاف المسلم أن يقع في الفاحشة، فإنه يتعين حينئذ، وهو الذي عليه جمهور الفقهاء.
ولم يقل أحد من الفقهاء بأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة مطلقاً إلا داود الظاهري وابن حزم، فإنهم يذهبون إلى أنه فرض عين على القادر على الوطء والإنفاق، تمسكاً بقوله -تعالى-: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} النساء:3.
ولنا في حديث"يا معشر الشباب"الأسوة الحسنة؛ ففيه البيان الشافي لفقه المسألة، حيث جاء فيه الحث على الزواج إذا كان قادراً عليه، وكذلك فيه إرشاد العاجز عن مؤن النكاح وتكاليفه إلى الصوم؛ وهو تعديل مؤقت للشهوة، وتأجيل للإقبال على الزواج؛ لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الطعام، تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
والصوم -كما يقول ابن حجر-:"يسكن الشهوة ولا يقطعها؛ لأنه قد يقدر على النكاح بعد فيندم لفوت ذلك".19
هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
1-رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
2-انظر كتاب الزواج وأحكامه في مذهب أهل السنة للدكتور: السيد أحمد فرج. من صفحة 13 إلى20. مع التصرف للحاجة.
3-حاشية ابن عابدين (2/267) .
4-المصدر السابق.
5-المصدر السابق.
6-جواهر الإكليل شرح مختصر خليل (1/274) . وغيره.
7-المهذب للشيرازي (2/37) .
8-روضة الطالبين (7/18) .
9-ذكر ذلك ابن قدامة في المغني (7/334) . ط: دار الفكر بيروت- 1405 هـ.
10-رواه البخاري ومسلم.
11-رواه أبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود للألباني (1805) .
12-رواه البخاري ومسلم.
13-رواه أحمد في مسنده، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد قوي. مسند أحمد حديث رقم (12634) .
14-المغني (7/334) .
15-المصدر السابق.
16-روضة الطالبين (7/18) .
17-المغني (7/335) .
18-انظر المحلى لابن حزم (9/440) .
19-فتح الباري (9/92) .