فهرس الكتاب

الصفحة 4653 من 9994

وهذا الرأي الذي انفرد به الشافعية كان متابعة لما رجحه الإمام الشافعي رحمه الله من أن التخلي لعبادة الله -تعالى- أفضل؛ لأن الله -تعالى- مدح يحيى -عليه السلام- بقوله: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً} آل عمران:39. والحَصور: الذي لا يأتي النساء، فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه، وقال -تعالى-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} آل عمران:14، وهذا في معرض الذم؛ ولأن الزاوج عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه.9

رابعاً: الحنابلة يرون أن الزواج سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أمر الله -تعالى- به ورسوله وحثا عليه.

ويتمسكون بالأحاديث الحاثة عليه، كحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"..ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".10

ففي هذا الحديث حث على الزواج مؤكد، ووعيد لمن يشذ عن طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه.

ومما استدلوا به حديث معقل بن يسار قال -رضي الله عنه-: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:"إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد فأتزوجها؟ قال: (لا) ، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال:"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم".11"

وقال سعد ابن أبي وقاص -رضي الله عنه-:"رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أحلَّه له لاختصينا".12 والتَبتُّل: هو الانقطاع عن الزواج لأجل العبادة.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً ويقول:"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".13

قال ابن قدامة -بعد أن ذكر الأدلة السابقة-:

"وهذا حث على النكاح شديد ووعيد على تركة يقربه إلى الوجوب، والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى. ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله! فكيف اجتمعوا على النكاح في فعله وخالفوه في فضله! فما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل بالأدنى؛ ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى."

قال: وقد روينا في أخبار المتقدمين أن قوماً ذكروا لنبيٍّ لهم فضل عابد لهم، فقال: أما أنه لتارك لشيء من السنة، فبلغ العابد فأتى النبيَّ فسأله عن ذلك فقال: إنك تركت التزويج! فقال: يا نبي الله وما هو إلا هذا، فلما رأى النبيُّ احتقاره لذلك قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج، من كان يقوم بالجهاد، وينفي العدو، ويقوم بفرائض الله وحدوده؟ وأما ما ذكر عن يحيى فهو شرعه وشرعنا وارد بخلافه، فهو أولى. والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاربها".14"

وأما من لا شهوة له فقد ذهب بعض الحنابلة إلى أن تركه النكاح والاشتغال بالعبادة أولى في حقه، ومنهم من استحبه جرياً على العموم، قال ابن قدامة:"مَن لا شهوة له إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعنين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه، ففيه وجهان، أحدهما: يستحب له النكاح لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يُحصِّل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها بحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة عليها".15

ومن ثم وجد بعض متأخري الشافعية يميلون إلى وجهة أصحاب هذا الرأي في النكاح، ذكر ذلك النووي.16

وظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، وقال: ينبغي للرجل أن يتزوج، فإن كان عنده ما ينفق أنفق، وإن لم يكن عنده صبر، ولو تزوج بشَرٌ كان قد تم أمره، واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصبح وما عنده شيء، ويمسي وما عنده شيء، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوَّج رجلاً لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجد إلا إزاره، ولم يكن له رداء! أخرجه البخاري. قال أحمد -في رجل قليل الكسب يضعف قلبه عن العيال-: الله يرزقهم، التزويج أحصن له، ربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه فيه. وهذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من لا يمكنه فقد قال الله -تعالى-: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور:33.17

خامساً: الظاهرية لهم في النكاح قول واحد هو الوجوب على كل قادر على الوطء، إن وجد أهبة الزواج، فإن عجز فليكثر من الصوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت