6-قال ابن بطال: يلحق بهدية العامل لمن له دين ممن عليه الدين. معنى ذلك: لا تجوز هدين المدين للدائن؛ لأنه من باب قوله: (( كل قرض جرّ منفعة فهو رباً ) ). وقال ابن حجر: وله أن يحاسب بذلك من دينه - أي يسقط قيمة الهدية التي أهداها له المدين من الدين الذي في ذمته.
7-وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ.
8-وفيه جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة مع وجود من هو أفضل منه.
9-وفيه أن من رأى متأولاً أخطأ في تأويل يضرّ من أخذ به أن يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به.
أقول: ولعل هذا التأديب لمن أضر بالمصلحة العامة، وهذا لا يكون إلا للسلطان، فقط لا لغيره، والله أعلم. والحق أن المسلم لا يملك التشهير بالآخرين وإن أخطأوا إنما ذلك للإمام والحاكم.
10-وقال ابن المنير: يؤخذ من قوله: (( هلا جلس في بيت أبيه وأمه ) )فيه جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك. ا.هـ. كلام الحافظ ابن حجر من فتح الباري.
مكافأة المحسن:
الإسلام دعا إلى مكافأة المحسن بما يستطيعه المسلم من أنواع الإحسان ولو كان ذلك بالكلمة الطيبة والدعاء له بالخير، واعتبر الإسلام ملاقاة المسلم لأخيه المسلم بطلاقة الوجه وبشاشة النفس اعتبره معروفاً وإحساناً له يؤجر على ذلك المحسن - وهذا من كمال هذا الدين وشموله وآدابه ومحاسنه لتبقى المودة والألفة والمحبة خلقاً للمسلمين وشعاراً لهم.
1-فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( والكلمة الطيبة صدقة ) ) [متفق عليه] .
2-وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) ) [رواه مسلم] .
3-وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: (( من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له ) ) [35] .
قال الأمير الصنعاني [36] عند حديث ابن عمر المذكور: ودل الحديث على وجوب المكافأة للمحسن إلا إذا لم يجد، فإنه يكافئه بالدعاء، وأجزأه إن علم أنه قد طاب نفسه أو لم تطب وهو ظاهر الحديث، ومثل هذه المكافأة لا تعتبر من باب الرشوة إلا إذا تواطأ معه واشترطها لنفسه. ا.هـ.
مشروعية الهدية:
والهدية مشروعة قديماً وحديثاً وقد فعلها رسول الله وقبلها، فقد أهدي إليه وأهدى، ورغّب فيها أمته لما في ذلك من تأليف القلوب والتحابب بين الناس، والنفوس جبلت على حب من أحسن إليها.
والهدية عامل في تقوية الألفة وتعزيز أواصر المحبة بين المؤمنين وتأليف قلوب غير المسلمين؛ ولذا فرض الله سبحانه سهماً من الزكاة للمؤلفة قلوبهم طمعاً بإسلامهم وتقوية لإيمانهم. والأدلة كثيرة في مشروعية الهدية ومنها:
1-قول الله تعالى مخبراً عن بلقيس - ملكة سبأ - أنها قالت: وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون [النمل:35] .
2-عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( لو دعيت إلى كراعٍ أو ذراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت ) ) [رواه البخاري] .
قال ابن حجر في فتح الباري (9/246) : وفي الحديث دليل على حسن خلقه وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية، وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله ولو إلى شيء قليل.
قال المهلب: لا يبعث على الدعوة إلى طعام إلا صدق المحبة وسرور الداعي بأكل المدعو من طعامه والتحبب إليه بالمآكلة. وفيه الحض على المواصلة والتحابب والتآلف وإجابة الدعوة لما قلّ أو كثر، وقبول الهدية. ا.هـ.
3-وعن علي رضي الله عنه قال: (أهدى كسرى لرسول الله فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها) [رواه أحمد والترمذي] .
4-وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: (أهدى ملك أيْلة للنبي بغلة بيضاء وكساه برداً وكتب له ببحرهم) [رواه البخاري] .
فالحديث ذكره البخاري في باب: (قبول الهدية من المشركين) فتح الباري (5/230) وقال ابن حجر في فتح الباري (3/345) : ولما انتهى النبي إلى تبوك أتاه يوحنا بن رؤبة - صاحب أيْلة - فصالح رسول الله وأعطاه الجزية.
قوله: (ببحرهم) : أي ببلدهم، وأيْله هي مدينة العقبة اليوم على البحر الأحمر.
5-عن أنس رضي الله عنه أن يهودية أتت النبي بشاة مسمومة، فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: (( لا ) ). فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله . رواه البخاري ذكره ابن حجر في باب: قبول الهدية من المشركين - فتح الباري (5/230) ، وشرحه في المجلد السابع ص 497.