عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا.
قال الحافظ:"والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية".
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أماَ والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).
قال الحافظ:"وقوله: (( فليس مني ) )إن كانت الرغبة بضرب من التآويل يعذر صاحبه فيه فمعنى (( فليس مني ) )أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كان إعراضاً وتنطعاً يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعنى (( فليس مني ) )ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، وفي الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه".
هذا بالنسبة لمن ترك النكاح تبتلا وانشغالاً بالعبادة، فأما من تركه لعدم القدرة البدنية أو المالية فبين العلماء حكمه كما يلي.
قال ابن قدامه:"القسم الثالث: من لا شهوة له؛ إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعنين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه ففيه وجهان:"
أحدهما: يستحب له النكاح.
والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويضر بها ويحبسها على نفسه ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، والأخبار تحمل على من له شهوة لما فيها من القرائن الدالة عليها"."
4ـ تحريم قتل الأولاد وإجهاض الحوامل:
قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُمْ مّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} .
وقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء:31] .
قال القاسمي:" {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} لإفضائه إلى تخريب العالم، وأي خطأ أكبر من ذلك".
وقال تعالى: {ياأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْادَهُنَّ} الآية [الممتحنة:12] .
قال ابن كثير:"قوله: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْادَهُنَّ} هذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتلَه وهو جنين كما يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه".
وقد أوجب الشرع الضمان على من قتل جنيناً في بطن أمه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بغرة عبدٍ أو أمة.
وعن المغيرة بن شعبة عن عمر رضي الله عنه أنه استشارهم في إملاص المرأة، فقال المغيرة: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة عبد أو أمة، قال: ائت من يشهد معك، فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به.
قال ابن تيمية في الجواب عن قضية امرأة تعمدت إسقاط الجنين إما بضرب أو شرب دواء:"يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة غُرة: عبد أو أمة، تكون لورثة الجنين غير أمه".
وينبه هنا إلى أن إسقاط الحمل على نوعين كما يأتي.
قال الشيخ محمد بن عثيمين:"أما استعمال ما يسقط الحمل فهو على نوعين:"
الأول: أن يقصد من إسقاطه إتلافه، فهذا إن كان بعد نفخ الروح فيه فهو حرام بلا ريب؛ لأنه قتل نفس محرمة بغير حق، وقتل النفس المحرمة حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وإن كان قبل نفخ الروح فيه فقد اختلف العلماء في جوازه، فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، ومنم من قال: يجوز ما لم يكن علقة، أي: ما لم يمض عليه أربعون يوماً، ومنهم من قال: يجوز ما لم يتبين فيه خلق إنسان، والأحوط المنع من إسقاطه حينئذ إلا إن مضى عليه زمن يمكن أن يتبين فيه خلق إنسان فيمنع.
الثاني: ألا يقصد من إسقاطه إتلافه، بأن تكون محاولة إسقاطه عند انتهاء مدة الحمل وقرب الوضع، فهذا جائز بشرط ألا يكون في ذلك ضرر على الأم ولا على الولد ولا يحتاج الأمر إلى عملية"."
والإجهاض له آثار على النسل، فمن ذلك:
1)هلاك عدد غير معلوم من أفراد البشرية قبل أن يخرجوا إلى نور الحياة.
2)ذهاب عدد غير يسير من الأمهات ضحية الموت أثناء عملية الإجهاض.