إن ذكر الله- عز وجل- من أعظم العبادات، قال-تعالى-: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} سورة العنكبوت:45.
وذلك أن ذكر الله-عز وجل- يحمل الإنسان على التزام شرعه في كل شأن من شؤونه، ويشعره برقابة الله- تعالى- عليه فيكون له رقيب من نفسه، فيستقيم سلوكه ويصلح حاله مع الله- تعالى- ومع الخلق، ولذا أمر المسلم بذكر الله- تبارك وتعالى- في كل أحيانه وأحواله، قال- سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} سورة الأحزاب:41. أي صباحاً ومساءً، والمراد: في كل الأوقات. قال- سبحانه-: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} سورة النساء:103. وخير ما يذكر به الله- عز وجل- كلامه المنزل على المصطفى-صلى الله عليه وسلم-لما فيه-إلى جانب الذكر- من بيان لشرع الله- تعالى-، وما يجب على المسلم التزامه، وما ينبغي عليه اجتنابه، فيأخذ منه المنهج الذي يقوم عليه سلوكه ويأخذ به إلى الفوز والسعادة.
وخير الأماكن لذكر الله-عز وجل-وتلاوة القرآن, وتعلم العلم, هي المساجد بيوت الله-سبحانه-، يعمرها في أرضه المؤمنون، وعمارتها الحقيقية إنما تكون بالعلم والذكر إلى جانب العبادة من صلاة واعتكاف ونحوها.
لقد كان فضل الله -عزوجل- عظيماً على أولئك الذين جلسوا يتلون كتابه، إذ حباهم بمكرمات أربع، كل منها دليل على علو شأنهم عنده ورفعة منزلتهم، وكفيل لهم برضوان الله- تبارك وتعالى- ومغفرته وقبوله:
1-قوله:"نزلت عليهم السكينة"، عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-قال:"قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي-صلى الله عليه وسلم-فقال:"اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت 19. وبهذه السكينة يطمئن القلب، وتهدأ النفس، وينشرح الصدر، ويستقر البال والفكر، قال- تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} سورة الرعد:28.
2-قوله:"غشيتهم الرحمة"،عن سلمان-رضي الله عنه-:أنه كان في عصابة يذكرون الله-تعالى-، فمرَّ بهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم-,فقال:"ماكنتم تقولون؟ فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها"20. فهذه الرحمة هي أعظم ما يحظى به المؤمن وخير ما يناله المسلم كثمرة لجهده في هذه الحياة، قال- تعالى-: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} سورة يونس:58. فطوبى لهؤلاء الذين نالتهم الرحمة فكانت تلاوتهم لكتاب الله-عز وجل- ومدارستهم له عنواناً أنهم من المحسنين: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} سورة الأعراف: من الآية56.
3-قوله-صلى الله عليه وسلم-: (حفتهم الملائكة) ، عن أسيد بن حضير-رضي الله عنه- قال:"بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها. فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال:"اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير"قال: فأشفقت يا رسول الله، أن تطأ يحيى، وكان منها قريباً، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال:"وتدري ما ذاك؟". قال: لا، قال:"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم"21."
4-قوله-صلى الله عليه وسلم-: (ذكرهم الله فيمن عنده) . قال الله- سبحانه وتعالى-: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} سورة البقرة:152.فإذا ذكر العبد المؤمن ربه، بتلاوة كتابه وسماع آياته، قابله الله- عز وجل- على فعله من جنسه فذكره-سبحانه- في عليائه، وشتان ما بين الذكرين، ففي ذكر الله- تعالى- لعبده الرفعة، والمغفرة والرحمة، والقبول والرضوان.
عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"يقول الله تعالى:أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"22.
الجزاء على الأعمال لا على الأنساب: