فهرس الكتاب

الصفحة 4351 من 9994

فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميسٍ رضي الله عنها الهجرة الثانية ، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة وعاش فيها ردحاً من الزمن ، وذكر ابن حجر في الإصابة ، قال:"وعلى يديه أسلم النجاشي ومن تبعه في الحبشة"، وذكر رواية عن ابن مسعود:"أن جعفر بن أبي طالبٍ كان أمير المهاجرين في الحبشة"، وروى ذلك ابن سعدٍ في الطبقات .

وذلك كله يدلنا على أن جعفر رضي الله عنه كان من أهل الإيمان الراسخ ، واليقين العظيم ، والتضحية الكبيرة ترك داره وأرضه وبلاده وهاجر إلى الحبشة بعد أن أذن بذلك ، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: ( إن بأرض الحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد فالحقوا بأرضه ) ، فذهب جعفر رضي الله عنه في الفوج الأول الذي لم يكن يتعدى عددهم كما في بعض روايات السيرة إثني عشر أو ثمانية عشر ما بين رجلٍ وامرأة ، ثم كذلك كان في الفوج الثاني الذي زاد على ثمانين رجلاً وامرأة وكانت له المواقف العظيمة هناك .

وكانت هجرته على هذا النحو ، ثم لحاقه بالنبي صلى الله عليه وسلم سجل له هجرةً إضافيةً - أو هجرةً ثالثة - فكان ممن كانت حياته كلها هجرةً وتضحيةً في سبيل الله ، وفي سبيل إعلاء كلمه الله عز وجل .

ثم إن أبا موسى الشعري روى لنا قصة المهاجرين من الحبشة كيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فأخبر أبوموسى رضي الله عنه أنه خرج ومعه نفر من قومه من بلاده - وهو من اليمن - قال: نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقذفت بنا السفينة على أرض الحبشة ، فوافينا جعفراً وأصحابه ن ثم خرجنا معهم جميعً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافينا المدينة في أعقاب خيبر .

وهنا وقعت قصةٌ كذلك تدلنا على مسألة الهجرة وأهميتها وفائدتها ، ترويها لنا أسماء بنت عميس مذكورة في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المشهورة .

هذه الرواية فيها: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم ودخل على بيته ، وعند زوجته امرأة ، فقال: من هذه ؟ قالت: أسماء بنت عميس ، فقال عمر: آل حبشية ؟ أي هل هي الحبشية التي جاءت من الحبشة ؟ فقالت: نعم ، فقال: الفاروق: سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم !

وكان تفاخر القوم ليس بلأحساب والأنساب ، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله ، وبالقرب والخدمة والذود والحماية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

فغضبت أسماء رضي الله عنها من ذلك وحزنت - وكانوا أعظم وأحرص شيئاً على الخير والفضل في هذا الدين - فقالت: كلا والله !كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعلم جاهلكم ، وكنا في دار البعداء والبغضاء في الحبشة ، وذلك في الله وفي رسوله ، والله لا أطعم طعاماً ، ولا أشرب شراباً ، حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس بأحق بي منك ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان ، فأثنى بهم وعليهم ؛ لفضل الهجرة ، وترك الديار والأهل ، والعيش في الغربة حفاظاً على الدين وحرصاً على إقامته .

فقالت أسماء رضي الله عنها: فجعل أهل الحبشة يأتون إلي أرسالاً يسئلونني عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانوا أفرح شيءٍ بالخير .

وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً ، والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً ، وقد نال جعفر بن أبي طالبٍ قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .

وبعد سياق الهجرة ننتقل إلى المحطة الثالثة: الفطنة والدعوة

لقد كان جعفر رضي الله عنه ذكيً أريبًا أديباً ، راجح العقل ، وافر الذكاء ، يحسن القول في وقت القول ، ويحسن ما يذكر في القول مما ينفع ولا يضر ، وكان داعية حكيمً حصيفً أريباً رضي الله عنه وأرضاه .

ولذلك كان مقدّم القول والصحابة في الحبشة ، حتى روى ابن مسعودٍ -كما أشرنا - مما ذكر ابن سعدٍ في الطبقات أنه كان أميراً للمؤمنين في الحبشة .

ونعلم جميعاً القصة الشهيرة التي نريد أن نذكر سياقها في قصة بعث قريشٍ لعياش ابن أبي ربيعه وعمر ابن العاص ليذهبا إلى النجاشي ، ويطلبا منه تسليم الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين هاجروا إلى الحبشة ؛ فإن قريشً بجاهليتها الجهلاء ، وغطرستها العمياء ، ورغبتها في العدوان والإيذاء لن تترك المهاجرين - وقد تركوا لها مكة كلها وذهبوا إلى الحبشة - فلحقت بهم ، وأرادت أن تردهم لتشفي غيظها بعذابهم وإيذائهم ، ولتمنع تسرب الدعوة من الجزيرة إلى خارجها ؛ ولئلا يشوه المسلمون سمعتها وصورتها عند الآخرين من الأمم والأقوام ، فبعثوا حينئذٍ عمر بن العاص وعياش ابن أبي ربيعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت