فهرس الكتاب

الصفحة 4350 من 9994

وانظروا إلى هذا القضاء العظيم ، وإلى هذا العقل الراجح ، وإلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وشاهده قوله لجعفر: ( أشبهت خلقي وخلقي ) ، وقد كان أشبه صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله من حيث الخلقة ، وأضاف النبي بنص حديثه الخلق وذلك دليل موافقةٍ وحبٍ .

وذكر الذهبي في السير رواية هذا الحديث من طريق ابن إسحاق:

عن أسامة بن زيدٍ ، عن أبيه زيدٍ ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجعفر: ( أشبه خلقك خلقي وأشبه خلقك خلقي فأنت مني ومن شجرتي ) رجاله ثقات ، أخرجه أحمد في المسند ومثل ذلك رواه ابن سعدٍ في الطبقات .

وهذا دليل قربٍ وحبٍ واضحٍ فيما كان لجعفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروايةً أخرى كذلك لهذا الحديث ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أشبهت خلقي وخلقي ) .

ومن صور المحبة الفياضة لجعفر في قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما علم بعد ذلك ، مما سيأتي في سيرة جعفر ، يوم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً من الحبشة إلى المدينة المنورة ، فوافا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعد غزوة خيبر ، وفتح الله عز وجل لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا أدري بأيهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ) .

فجعل ذلك الفتح العظيم الذي كان من أعظم الفتوح من حيث الغنائم ومن أعظمها وأجلها من حيث تطهير الجزيرة من اليهود عليهم لعائن الله ، جله في قمة السرور ، لكنه قارن ذلك ووازاه وساواه وقارنه بحب النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر وسروره بقدومه .

قال الذهبي رحمه الله في السير:"وقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقدوم جعفر ، وحزن - والله - لوفاته".

ذكر ذلك في مقدمة ترجمته في السير ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب بعد جعفر أبناء جعفر ويضمهم إليه ، ويشمهم ويردفهم ويقربهم ؛ لما كان لجعفر في قلبه من الحب والمنزلة الخيرة رضي الله عنه وأرضاه .

روى مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته، قال: وإنه جاء من سفر فسُبِق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة الحسن والحسين رضي اللَّه عنهم فأردفه خلفه، قال: فأُدخلنا المدينة ثلاثة على دابة"، أي كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد ورد كذلك في شأن قدوم جعفر ما يكشف عن مزج تلك المحبة بالاجلال والتقدير لجعفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر ابن عبد البر سياق هذه الرواية: أنه لما قدم جعفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاه المصطفى عليه الصلاة والسلام واعتنقه ، وقبّل بين عينيه ، وقال: ( ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟! ) ، وأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار المسجد .

وهذا التقبيل بين عينيه إجلال وحب ، والاعتناق دليل شوقٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم لجعفر ، وقد نأت به هجرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حوالي سبع سنين من هجرته إلى يوم فتح خيبر .

وقد ذكر ابن حجر في الإصابة أيضاً في المسند عند الإمام أحمد من حديث عليٍ رفعه قال: ( أعطيت رفقاء نجباء .. وعدّ منهم سبعة منهم جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ) .

وسياق الحديث على أن هذه الكوكبة من أقرب وأحبّ أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم إليه .

ولذلك بلغ الحزن برسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً يوم استشهد جعفر بن أبي طالب .

روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن .

وعن أسماء - أي بنت عميس - زوج جعفر رضي الله عنه ، قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بني جعفر فرأيته شمهم - أي قبلهم واعتنقهم - وذرفت عيناه عليه الصلاة والسلام ، فقلت: أبلغك عن جعفر شيئاً ؟! قال: نعم قتل اليوم ، قالت فكنا نبكي ، فرجع وقال: ( اصنعوا لآل جعفر طعامً فقد شغلوا عن أنفسهم ) .

ووردت روايات أخرى تحكي لنا حزن النبي صلى الله عليه وسلم على جعفر ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما وردت فيه بعض الروايات ( على مثل جعفر فلتبكي البواكي ) .

وكان عليه الصلاة والسلام يحب جعفر ويقربه ، وتلك بعض مواقف الحب والقرب في محطتنا الأولى .

الثانية: في التضحية والهجرة

وهي السمة الغالبة على حياه جعفر رضي الله عنه ، فقد هاجر كما لم يهاجر غيره من الصحابة إلا نفر قليل .

قال ابن عبد البر في الاستيعاب:"هاجر الهجرتين إلى الحبشة ، وهاجر إلى المدينة المنورة فحياته كلها كانت هجرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولإقامة الدين والدعوة إليه ، والأمان لإقامة شعائره وشرائعه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت