الصلاة مفتتحةٌ بالتكبير المنبئ عن طرح كل من سوى الله عز شأنه واستصغار كل من دون الله عز وجل. ناهيك بقرآن الصلاة وأذكارها في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
أما الزكاة فهي قرينة الصلاة في التعبد والاعتراف للرب الجليل وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءةً من عبادة الدرهم والدينار: وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7] .
أما الصيام الحق فهو الذي يدعُ الصائمُ فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه.
أما الحج فشعار الأمة كلها في هذه البطاح والبقاع فهو التلبية بالتوحيد ونفي الشرك.
يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في ذلك كله: (نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله والرجوع إليه وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد) .
وفي مأثور نبينا محمد في الورد اليومي الذي يجعله المسلم في حزبه: (( أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ) ) [2] . وفي الدعاء النبوي: (( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ) ) [3] .
عباد الله: ما كانت هذه الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظافرة، والبراهين المتوافرة، إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية،وشدة الخوف على الناس من الانحراف والقلوب من الزيغ. ولماذا لا يُخاف عليهم؟ والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتُغويهم.
وفي الحديث القدسي: (( خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزِّل به سلطاناً ) ) [4] . أخرجه مسلم من حديث عياض المجاشعي.
كيف لا يكون الخوف والرسول خاطب أصحابه الصفوة المختارة من الأمة: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) )؟؟ [5] .
ويزداد الخوف حين يتأمل المتأمل قوله: (( الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل ) ) [6] ، بل لقد أخبر عليه الصلاة والسلام: (( أن فئاماً من الأمة تعبد الأوثان وقبائل تلحق بالمشركين ) ) [7] .
والحافظ ابن كثير رحمه الله يعلِّق على قول الله تعالى: ذالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] . قال رحمه الله: فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته.
لماذا - يا عباد الله - لا يُخاف الخلل في التوحيد والنقص في صدق التعبد والتعلق؟ لماذا لا يُحذر من الشرك وأنواعه وأسبابه والله يقول في محكم تنزيله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ [يوسف:106] . قال بعض أهل العلم في هذه الآية دلالةٌ على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً؛ فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله لكنَّه لا يخلص له في عبوديته فيتعلق بغير ربه، بل ويعملُ لحظِّ نفسه أو طلب دنياه أو ابتغاء رفعةٍ أو منزلة أو قصدٍ إلى جاهٍ عند الخلق فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.
أيها الإخوة في الله: الأمر خطير ودقيق، شرك خفيٌ في المحبة والتألُّه والخضوع والتذلل، من أعطى حبَّه وذله وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله فكيف يكون حقَّق التوحيد؛ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] . اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] .
هذا شرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد والتضحية، وذاك شرك في باب الأسباب، وذلك في باب النفع والضرر.
وانظروا في السحر والشعوذة والتطير والتشاؤم والرقى والتمائم، والحلف بغير الله في صور لا تكاد تُحصر. والغلو في الصالحين، ناهيك بدعاء غير الله، وطلب الغوث من المقبورين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويعلقون عليها القناديل والسرج والستور، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون، ويتطور الحال حتى يتخذونها أعياداً ومنسكاً فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة: وصورةٌ جديدةٌ من صور الخلل في التوحيد باءت بها فئات من المنتسبين إلى الإسلام تزعم الثقافة والاستنارة لا ترضى بحكم الله ولا تسلم له، بل إن في قلوبها لحرجاً، وفي صدورها لغيظاً وضيقاً؛ إذا أقيم حدٌ من حدود الله ارتعدت فرائصهم، واشمأزت قلوبهم، قاموا وقعدوا، وأرغوا وأزبدوا، ولهم إخوان يمدونهم في الغي، يزعمون الحفاظ على حقوق الإنسان، وما ضاعت حقوق الإنسان وحقوق الأمم إلا بهم وبأمثالهم.