الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فإن من الأحكام المهمة مما يتعلق بالصلاة، مابين أيدينا وهو موضوع (صلاة العيد في المصلى) وقد اختلف فيه الفقهاء قديمًا وحديثًا، وسنورد أقوال الجميع -إن شاء الله-، في الأسطر التالية:
نقول وبالله التوفيق: اختلفت أراء الفقهاء في ذلك، فقال ابن قدامة: السنة أن يصلى العيد في المصلى، أمر بذلك علي -رضي الله عنه-، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعًا فالصلاة فيه أولى! لأنه خير البقاع وأطهرها، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام.
قال ابن قدامة-رحمه الله-: ولنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل؛ ولأننا قد أمرنا بمتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، والمنهي عنه هو الكامل، ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى العيد في مسجده إلا من عذر؛ ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى، فيصلون العيد في المصلى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في المصلى مع شرف مسجده، وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه.
وقد روينا عن علي -رضي الله عنه- أنه قيل له: قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس، وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد، فقال: أخالف السنة إذًا ! ولكن نخرج إلى المصلى، وأستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعًا.
فإن كان هناك عذر يمنع الخروج من مطر أو خوف أو غيره صلوا في الجامع كما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة العيد في المسجد)1.
وقد ذكر الشيخ الألباني الأدلة على أن السنة صلاة العيدين في المصلى خارج المسجد. فمما ذكر من الأدلة:
الدليل الأول:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج يوم الفطر، والأضحى إلى المصلى) 2.
الحديث الثاني:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغدو إلى المصلى في يوم العيد، والعنزة3 تحمل بين يديه، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه، فيصلي إليها، وذلك أن المصلى كان فضاءً ليس فيه شيء يستتر به) 4.
الحديث الثالث:
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قيل له: (أشهدت العيد مع النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب) 5.
قال الألباني: إذا عرفت دلالة الأحاديث، فهي حجة قاطعة على أنه السنة في صلاة العيدين أن تؤدى في المصلى، وبذلك قال جمهور العلماء، ففي (شرح السنة) للإمام البغوي قال: (السنة أن يخرج الإمام لصلاة العيدين إلا من عذر، فيصلي في المسجد) .
وقال الإمام النووي في شرح الحديث الأول: (هذا دليل على من قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة، فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول) .
وقال الشافعي في (الأم) :(بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك من بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة.
ثم أشار -رحمه الله- إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف المدينة، فلو عمر بلد فكان مسجد أهلها يسعه في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه! فإذا كان لا يسعهم كرهت الصلاة فيه، ولا إعادة6.
ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى)7.
وقد تعقبه الإمام الشوكاني بقوله: (وفيه كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين لا ينهض للاعتذار عن التأسي به -صلى الله عليه وسلم- في الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته -صلى الله عليه وسلم- على ذلك. وأما الاستدلال على أن ذلك هو العلة بفعل الصلاة في مسجد مكة، فيجاب عنه باحتمال أن يكون ترك الخروج إلى الجبانة؛ لضيق أطراف مكة، لا للسعة في مسجدها) .
قال الإمام الألباني: (وهذا الاحتمال الذي ذكر الإمام الشوكاني أشار إليه الإمام الشافعي نفسه، وقد يحتج لتلك العلة برواية البيهقي في السنن الكبرى8: (مطرنا في إمارة أبان بن عثمان على المدينة مطرًا شديدًا ليلة الفطر، فجمع الناس في المسجد، فلم يخرج إلى المصلى الذي يصلي فيه الفطر، والأضحى، ثم قال لعبد الله بن ربيعة: قم فأخبر الناس ما أخبرتني، فقال عبد الله بن عامر: إن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فامتنع الناس من المصلى فجمع عمر الناس في المسجد، فصلى بهم، ثم قام على المنبر، فقال: يا أيها الناس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج بالناس إلى المصلى، يصلي بهم؛ لأنه أرفق بهم، وأوسع عليهم، وإن المسجد كان لا يسعهم، فإذا كان المطر فالمسجد أرفق9.
قال الألباني: والجواب أن هذه الرواية ضعيفة جدًا؛ لأن محمد بن عبد العزيز -هذا الذي من طريقه الرواية- قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال النسائي (متروك) ، وقد أخرجها الشافعي).
فيثبت بطلان التعليل بضيق المسجد، وترجح أقوال العلماء الذين جزموا بأن الصلاة في المصلى هي السنة، وأنه مشروع في كل زمان ومكان إلا لضرورة، ولا أعلم أحدًا من العلماء المستقلين -الذين يعتد بهم- خالف في ذلك إلا ابن حزم في المحلى في قوله: (وإن كان عليهم مشقة في البروز إلى المصلى صلوا جماعة في الجامع، ثم قال: وقد روينا عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما- أنهما صليا العيد بالناس في المسجد لمطر وقع يوم العيد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبرز إلى المصلى لصلاة العيدين، فهذا أفضل، وغيره يجزئ؛ لأنه فعل لا أمر، وبالله التوفيق. (المحلى(5/81-87 ) ) .
قال أحمد شاكر -رحمه الله-: (وقد تضافرت أقوال العلماء على ذلك، فقال العلامة العيني في شرح حديث أبي سعيد: فيه البروز إلى المصلى، والخروج إليه، ولا يصلي في المسجد إلا من الضرورة.
وفي الفتاوى الهندية (1/118) : الخروج إلى الجبانة في صلاة العيد سنة وإن كان يسعهم المسجد الجامع على هذا المشايخ، وهو الصحيح)10.
وروى بن زيادة عن مالك قال: (السنة الخروج إلى الجبانة إلا أهل مكة ففي المسجد) 11
وفي المدونة: (ولا يصلون في مساجدهم ولكن يخرجون كما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم-: فعن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال:(كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج إلى المصلى، ثم استن بذلك أهل الأمصار ) ) 12