فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 9994

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن من أعظم شعائر الإسلام صلاة الجماعة في المساجد، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في بيوته في أوقات معلومة لأداء هذه الشعيرة، فالمسلمون يجتمعون في اليوم والليلة خمس مرات لأداء هذه الصلاة، وقد اتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات، بل هي من أعظم وأظهر شعائر الإسلام (1) .

مشروعية صلاة الجماعة:

الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب: فقوله-تعالى-: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ..} النساء: 102 الآية، أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخَّص فيها حالة الخوف،ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.

وأمَّا السُّنَّةُ: فقوله-صلى الله عليه وسلم-: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ،بسبع وعشرين درجة) (2) .

وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة (3) .

فضلها:

وردت أحاديث كثيرة تدل على فضيلة الصلاة في جماعة,ومن تلك الأحاديث ما يلي:

-عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه.

-وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-,قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) (4) .

-وعن بُريدة الأسلميِّ,عن النبيِّ-صلى الله عليه وسلم-,قال: (بشِّر المشَّائين في الظُّلم إلى المساجدِ بالنُّورِ التام يومَ القيامةِ) (5) .

حِكْمتُها:

من حِكَمِ صلاة الجماعة أنها تحقق التآلف والتعارف بين المسلمين، وتغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وتشعرهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر (6) .

وفيها تعليم للجاهل، ومضاعفة الأجر، والنشاط على العمل الصالح عندما يشاهد المسلم إخوانه المسلمين يزاولون الأعمال الصالحة، فيقتدي بهم (7) .

حكم صلاة الجماعة:

ذهب الحنفية والمالكية إلى أن: الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة، لأن ظاهر الحديث السابق: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة.

وذهب الشافعية إلى أن: الجماعة فرض كفاية، للرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس) ، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح.

وذهب الحنابلة إلى أن: الجماعة واجبة وجوبَ عينٍ؛لقوله-تعالى-: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة...} وقوله: {واركعوا مع الراكعين} وقوله-صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفسي بيدهن لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم) (8) . وحديث الأعمى المشهور، فعن أبي هريرة قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل أعمى,فقال: يا رسول الله,إنه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجدِ فسأل رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أنْ يُرخِّصَ له,فيُصلِّي في بيته فرخَّص له،فلمَّا ولَّى دعاه،فقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) ,فقال:نعم،قال: (فأجب) (9) .

أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة:

تنعقد الجماعة باثنين،قال الشوكاني -رحمه الله-: (وأما انعقاد الجماعة باثنين، فليس في ذلك خلاف،وقد ثبت في الصحيح(10) من حديث ابن عباس: أنه صلى في الليل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وحده وقعد عن يساره فأداره إلى يمينه) (11) .

كثرة الثواب كلما كثرت الجماعة:

فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه-,قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده،وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل،وما كثر فهو أحب إلى الله-تعالى-) (12) .

حضور النساء إلى المساجد،وفضل صلاتهن في بيوتهن:

يجوز للنساء الخروج إلى المساجد وشهود الجماعة، بشرط أن يتجنبن ما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة من الزينة والطيب، فعن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم) (13) ، وعنه -رضي الله عنه- قال قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن) (14) .

وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت النبي-صلى الله عليه وسلم-,فقالت: يا رسول الله, إني أحب الصلاة معك، قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي،وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك،وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك،وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك،وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي) ،قال: فأمرت فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتِها وأظلمه،وكانت تُصلِّي فيه حتى لقيت الله-جلَّ وعَلَا- (15) .

وقد كره العلماءُ الحضورَ إلى المساجدِ للشابة خوفًا من الفتنة (16) .

إدراك الإمام:

من أدرك الإمام كبر تكبيرة الإحرام قائمًا ودخل معه على الحالة التي هو عليها، ولا يعتد بركعة حتى يدرك ركوعها سواء أدرك الركوع بتمامه مع الإمام أو انحنى فوصلت يداه إلى ركبتيه قبل رفع الإمام؛فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-,قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-,قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (17) ،وعنه -رضي الله عنه- قال:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) (18) .

المشي للجماعة:

يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا) (19) .

تكرار الجماعة في المسجد:

ذهب الحنفية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في المسجد، إلا إذا كان مسجد طريق، أو مسجدًا لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجًا فوجًا.

أما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت