الحمد لله رب العالمين، القائل: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُون * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (77-80) سورة الواقعة، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله - سبحانه وتعالى- أنزل كتابه الكريم على النبي - صلى الله عليه وسلم- ولم يكن مجموعًا حينها في مصحف بل كان محفوظًا في صدور الرجال، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- كل ما نزلت عليه آيات أمر بكتابتها، فكان القرآن في صحف وأوراق، وكان مرتبًا كما هو الآن في سوره وآياته إلا أنه كان في صحف لا في مصحف.
ولما جمع المصحف في عهد عثمان -رضي الله عنه- كان الأمر جديدًا بالنسبة للصحابة -رضي الله عنهم-، فأشكلت عليهم أمور تتعلق بكتاب الله في شكله الجديد، فأثروها بعلمهم ونقاشهم، ودرج على ذلك علماء الإسلام من بعدهم، وها نحن - إن شاء الله- في معرض بعض من تلك الأحكام:
أولًا: كتابة المصحف وجمعه:
في المصحف ثلاث لغات: ضم الميم"المُصحف"، وكسرها"المِصحف"وفتحها"المَصحف"فالضم والكسر مشهورتان والفتح ذكرها أبو جعفر النحاس وغيره (1) .
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال: (لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (2) .
وكان بعد أن استشار أبو بكر الصحابة -رضي الله عنهم- في جمعه في مصحف، فأشاروا بذلك، فكتبه في مصحف، وجعله في بيت حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها-.
فلما كان في زمن عثمان -رضي الله عنه- وانتشر الإسلام، خاف عثمان -رضي الله عنه- وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عن حفصة الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن على بن أبي طالب وسائر الصحابة -رضي الله عنهم- (3) .
وعليه فيستحب كتابة المصحف، وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط (4) .
أخذ الأجرة على كتابة المصحف:
العلماء على قولين:
-الكراهة: وقد جاء عن ابن سيرين أنه قال: نكره لكاتب المصحف أن يأخذ على كتابها أجرًا (5) .
-الجواز: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن أجرة كتابة المصحف فقال: لا بأس إنما هم مصورون، وإنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم (6) ، وعن مجاهد وابن المسيب والحسن أنهم قالوا: لا بأس به على غير شرط (7) .
وأحق الناس بكتابة المصاحف مضر: فقد أخرج ابن أبي داود عن إبراهيم التيمي، قال عبد الله: لا يكتب المصاحف إلا مضري (8) .
نقط المصحف:
قال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب؛ لأنه صيانة له من اللحن والتحريف (9) ، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط، فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفًا من التغيير فيه وقد أمن ذلك اليوم فلا منع (10) .
رسم المصحف:
رسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان -رضي الله عنه- في كتابة كلمات القرآن وحروفه، والأصل في المكتوب: أن يكون موافقًا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير (11) . ويجب أن تتَّبع القواعد التي ذكرها العلماء في هذا الباب، ولا يخرج عنها.
ترتيب السور والآيات:
قد وقع خلاف كبير بين العلماء هل هو بالنص أو بالاجتهاد، قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية: ترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة (12) ، وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية في الرسم كما قدموا سورة على سورة؛ لأن ترتيب الآيات مأمور به نصًا (13) .
ثانيًا: بيع المصاحف:
العلماء في حكم بيع المصاحف على ثلاثة أقوال:
-الكراهة مطلقًا، كما جاء عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشددون في بيع المصاحف، وعن النخعي قال: المصحف لا يباع ولا يورث. وعن ابن المسيب: أنه كره بيع المصاحف، وقال: أعِن أخاك بالكتاب أو هب له.
-كراهة البيع دون الشراء كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال اشتر المصاحف ولا تبعها. وعن مجاهد أنه نهى عن بيع المصاحف ورخص في شرائها.
-الجواز مطلقًا، كما جاء عن ابن الحنفية: أنه سئل عن بيع المصحف، قال: لا بأس، إنما تبيع الورق وعن سعيد بن جبير: أنه سئل عن بيع المصاحف، فقال: لا بأس، إنما يأخذون أجور أيديهم (14) . وعن الحسن، قال: لا بأس ببيعها وشرائها (15) . وغيرهم من السلف جوزوا ذلك؛ للحاجة، ولأنه إنما تباع الورق وعمل اليد (16) .
إجارة المصحف:
وفي إجارة المصحف وجهان:
-لا تصح إجارته مبنيًا على أنه لا يصح بيعه، إجلالًا لكلام الله وكتابه عن المعارضة به، وابتذاله بالثمن في البيع، والأجر في الإجارة، ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه لا تجوز إجارته؛ لأنه فقط ينظر إليه، ولا يجوز أن يؤجر شيء للنظر.
-تجوز إجارته وهو مذهب الشافعي وأحمد؛ لأنه انتفاع مباح، تجوز الإعارة من أجله، ولأنه يحتاج إليه، فجازت فيه الإجارة، كسائر الكتب والمنافع (17) .
ثالثًا: مس المصحف وحمله:
يجوز مس المصحف لكل امرئ مسلم طاهر من الحدث الأصغر والأكبر، وفيما يلي الكلام على كل من هؤلاء:
مس الكافر المصحف:
جوز بعض السلف أن يمس الكافر المصحف بعلاقته (18) .
مس المحدث المصحف: فيه أقوال للعلماء:
-يجوز أن يمسه المحدث؛ لما روي عن جماعة من السلف منهم ابن عباس و الشعبي وغيرهما وهو رواية عن أبي حنيفة.
-يمنع مسه على غير وضوء؛ لحديث عمرو بن حزم الذي كتب له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان في كتابه: (ألا يمس القرآن إلا طاهر) (19) ، قال به جماعة من الصحابة وهو مذهب الجمهور (20) .
-يجوز مس ظاهره وحواشيه، وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر وهو رواية عن أبي حنيفة (21) . وقد جوز بعض السلف للجنب والحائض أخذه بعلاقته (22) .
مس الصبيان المصحف: فيه قولان:
-المنع؛ اعتبارًا بالبالغ -في حال حدثه-.
-الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة، جاز أن يحمله محدثًا (23) .
مس المستحاضة المصحف:
حكم الاستحاضة ومن به مرض مستديم كسلس البول: أنهم لا يمنعون شيئًا من الأشياء التي يمنعها الحيض والنفاس: كقراءة القرآن ومس المصحف (24) ، لكن لا بد أن ينوي استباحة الصلاة أو مس المصحف أو غير ذلك مما يتوقف على الوضوء (25) .
حمل المحدث للمصحف: فيه قولان:
-لا يجوز حمل المحدث إياه بعلاقة ولا على وسادة، وهذا مذهب الشافعية والمالكية.
-لا بأس بذلك ولا يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل (26) .
تطييب المصحف:
يستحب تطييب المصحف وجعله على كرسي، ويجوز تحليته بالفضة؛ إكرامًا له على الصحيح، وأما بالذهب فالأصح أنه يباح للمرأة دون الرجل، وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف دون علاقته المنفصلة عنه والأظهر التسوية.
ويحرم توسد المصحف؛ لأن فيه إذلالًا وامتهانًا، وكذلك مد الرجلين إلى شيء من القرآن (27) .
تقبيل المصحف:
في ذلك أقوال: