فهرس الكتاب

الصفحة 4190 من 9994

إن لكل أمة تأريخاً يعتزون به، اليهود يعتزون بدينهم، والصينيون لهم تاريخ، والأقباط لهم تاريخ، كل يعتز بتاريخه ويحافظ عليه، إلا أمة الإسلام، تهاونت في تاريخها، وما ذلك إلا مظهر من مظاهر انسلاخها من دينها وتاريخها، وهو نتاج طبيعي للهزيمة النفسية التي سيطرت على المسلمين أفراد وجماعات.

إن اعتماد التاريخ الهجري والعمل به التزام من هذه الأمة بدينها، وربط لأجيال الأمة بتاريخها المجيد، وإحياء لشعيرة التميز الذي ميزت به هذه الأمة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] . (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ).

إن نسيان هذا التاريخ يعني ذوبان هوية هذه الأمة، وطغيان الهوية الغربية النصرانية عليها، إنه تشبه بالضالين، ولذا نص العلماء على منعه.

إننا وإن ابتلينا بهذا التاريخ النصراني، وارتبطت به كثير من مصالحهم، فلا أقل من أن نلتزم بذكر هذا التاريخ في حياتنا اليومية، وأن نبدأ به مراسلاتنا ومواعيدنا، وأن نعلمه أبناءنا وبناتنا ونذكر به زوجاتنا، بل نتذاكر به جميعاً.

أيها الإخوة: التاريخ الهجري هو تاريخ المسلمين المعتمد الذي انعقد الإجماع على العمل به، وهو من شعائر أهل الإسلام، والرغبة عنه إلى غيره من تواريخ الشرق أو الغرب خروج عن الإجماع، وإظهار شعار من شعائر الكفار واستغناء به ومشاركة في طمس الهوية الإسلامية. ولا يمكن أن تستقيم عبادات هذه الأمة التي أمرها بها خالقها إلا بالتاريخ الهجري. فعبادات هذه الأمة مرتبطة بهذا التاريخ وغيره لا يصلح لنا.

أيها المؤمنون: إننا ندعو الدول الإسلامية والهيئات الإسلامية والأفراد جميعاً - إن كانوا صادقين في تشرفهم بهذا الدين - أن يلتزموا التاريخ الهجري تاريخاً أصلياً، ولا مانع من ذكر الموافق له من التاريخ النصراني الذي ابتلينا به لتسيير أمورنا، حتى يأتي الله بفتح من عنده.

أيها المؤمنون: من اللطائف أيضاً أن نذكر التاريخ الهجري دون تعقيب بقولنا للهجرة النبوية، لأنه الأصل فلا داعي للتعريف به، وإذا ذكرنا التاريخ الميلادي نقيده بقولنا للميلاد أو نحوها لأنه أمر طارئ يحتاج إلى بيان.

عباد الله: نعم نحن هذه الأيام نستقبل عاماً جديداً إسلامياً هجرياً، ليس من السنّة أن نحدث عيداً لدخوله أو نعتاد التهاني ببلوغه، أو أن نحتفل به، أو نحتفل بمهاجر النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين حبه، فليس الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة مولاه، فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه، شر لمن أمضاها في معصية الله والتمرد على طاعته وشر الناس من طال عمره وساء عمله.

ها قد أهلّ على الوجودِ (مُحَرّمُ) فالكونُ يزهو والحياةُ تبسّمُ

ترنو إلى ركبِ النبي وقد مضى تَبْكيه مكةُ والمَقَامُ وزمزمُ

عوّدتُ نفسي الاحتفالَ بهجرةِ الْـ هادي الْبشيرِ، وعطرَها أتنسّمُ

لكنْ على الوجهِ الذي أبصرتُه عن حبِ خير المرسلين يُترجِمُ

فاخترتُ من شعرِ المديحِ قصيدةً أنشدتُها ووجدتُني أترنّمُ

وحَسِبتُ أني قد بلغْتُ ذرا التقى بل ليس مثلي في المحبة مسلمُ!!

وإذا بأعماقي دويّ صارخٌ يا غافلاً حتّى متى تتَوهّمُ!!

حتى متى والقولُ قد زخرفْتَهُ والفعلُ يفضحُ ما تقولُ وتزعُمُ

لمّا عَجزْتَ عن اتباعِ (محمدٍ) أَقنعْتَ نفسَكَ بالكلامِ، ودُمْتمو!

ماذا اقترفتُ لكي تراني واهماً أَلأَنّنِي بهوى النّبيِ مُتيّمُ؟!

إني أرى حبّ النبي عبادةً ينجو بها يومَ الحسابِ المسلمُ

فأجابني: حبّ النبِي عبادةٌ فرضٌ على كل العبادِ محتّمُ

لكنْ إذا سَلَكَ المحبّ سبيلَهُ متأسّياً وَلهدْيِهِ يَتَرَسّمُ

هل ضيّعَ الإسلامَ إلا قائلٌ أفعالُهُ تنفي المقالَ، وَتْهدِمُ؟

فالقدسُ ضاعت من كلامٍ دونما فعلٍ يؤيد قولهم، ويُتَرْجِمُ

والطفلُ ملّ من الكلامِ؛ وليتهم يدَعُونه يرمي اليهودَ، ويَرْجُمُ

والعدلُ ملّ من الكلامِ؛ وقد رأى مَنْ يَدّعي عدلاً يجورُ، ويَظْلِمُ

والطهرُ ملّ من الكلامِ؛ وطالما زعمَ الطهارةَ داعرٌ لا يرحمُ

حتى البطولةُ أَعْلنتْ إضرابَها لما ادّعاها من يَخافُ، ويُحْجمُ

فَصَرخْتُ:كُفّ القولَ؛ قد أَخْجَلْتَنِي وكلامُك الحقّ الذي لا يُكْتَمُ

[1] رواه الترمذي ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت