فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 9994

الحمد لله الكريم الرحمن، جزيل العطايا والإحسان، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الغر الكرام، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان.

أما بعد:

إن الله -تبارك وتعالى- قد قسم الناس في بداية سورة البقرة إلى ثلاثة أصناف، المؤمنين والكافرين والمنافقين، وذكر لكل صنف صفات تميزهم.ونحن -إن شاء الله تعالى- في هذا الدرس نسلط الضوء على الصنف الثالث,وهم المنافقون, فنذكر معنى النفاق, ثم نذكر بعض صفات المنافقين.

تعريف النفاق: اختلف علماء اللغة في أصل النفاق،فقيل: إن ذلك نسبة إلى النفق, وهو

السرب في الأرض؛ لأن المنافق يستر كفره ويُغيِّبُه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.

وقيل: سُمي به من نافقاء اليربوع؛ فإن اليربوع له جُحر يُقال له: النافقاء،وآخر يُقال له: القاصعاء، فإذا طُلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء،كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضًا، لكن من وجهٍ آخر وهو إظهاره غير ما يضمر، ذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج ، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه ، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر1 .

ولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق؛ لأن النفق ليس فيه إظهار شيء وإبطان شيء آخر، كما هو الحال في النفاق2.

أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو: إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد3، أو هو: الذي يستر كفره, ويُظهر إيمانه، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفًا كما سبق4.

وأساس النفاق الذي بُني عليه: أن المنافق لابد وأن تختلف سريرته وعلانيته،وظاهره وباطنه؛ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق،قال- تعالى-: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} البقرة:10، وقال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} المنافقون:1 وأمثال هذا كثير5. إذن: أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال- تعالى-: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} البقرة: 8، قال الإمام الطبري-رحمه الله-: أجمع جميعُ أهل التأويل على أنَّ هذه الآية نزلتْ في قومٍ من أهلِ النِّفاقِ، وأنَّ هذه الصفة صفتُهم6.

وقد يُطلِق بعضُ الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق،قال شيخ الإسلام-رحمه الله-: ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظالزنديق,وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته ؟ والمقصود هنا: أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي-صلى الله عليه وسلم-وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أأبطن دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة7، وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم:الطبقة الخامسة عشر: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، هؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار 8.

أهمُّ صفاتُ المنافقينَ:

المنافقون لهم صفات كثيرة، وقد وصفهم الله _عز وجل_ في أكثر من موضعٍ من القرآن العظيم،وسنتعرَّض لأهم صفات المنافقين،التي تميِّزهم عن غيرهم من الناس،وسنحاول إبراز الصفات الخطيرة،التي تجعل من هذه الشريحة الخسيسة في المجتمع المسلم.. فئةً أخطر على المسلمين من العدوِّ الظاهر نفسه. فمن تلك الصفات:

1-في قلوبهم مرض: فالمنافقون لا يمتلكون الشجاعة الكافية لإعلان موقفهم الحقيقيِّ الذي يُواجهون به أهل الإيمان.. فلا هم قادرون على إعلان الإيمان الصريح الواضح،ولا هم قادرون على إعلان إنكارهم للحق،وسبب ذلك هو المرض الذي يتمكَّن من قلوبهم، فيحرفها عن طريق الإيمان: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ, فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا,وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} 9 .

2-مُفسدون يزعمون الإصلاح: وهل بعد النفاق فساد وإفساد؟!.. إنهم مفسدون في الأرض،يسعون لتخريب كل بذرة خير،وكل نبتةٍ طيبة.. وبعد هذا كله، يزعمون أنهم مصلحون،يسعون إلى خير الناس،ذلك لأنَّ الموازين قد اختلَّت حين ابتعدت عن المقياس الربانيِّ الصحيح! وهؤلاء المفسدون الذين يزعمون الإصلاح كثيرون في وقتنا الحاضر..

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} 10 ؛ لكنّ الله-عز وجل- فضحَ حقيقتهم بقولٍ قاطعٍ واضح،فهم-في حقيقة الأمر-المفسدون، الذين يُحاربون الإصلاح والصلاح والمصلحين: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ11 }

3-سفهاء زائفون: يتعالون على الناس، ويعدون الإيمان والإخلاص لله-عز وجل-، نوعًا من السَّفَاهةِ، لكنَّهُم في حقيقة الأمر.. هم السُّفهاء المنحرفون، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ12} .

4-مخادعون متآمرون: فهم أصحاب مكرٍ سيئ، يتصفون بالخسَّة واللُّؤم والجُبن والخبث، يتلوَّنون حسب الظروف،فهم أمام المؤمنين متستِّرون بالإيمان،وأمام الكافرين وشياطين الإنس يخلعون ذلك الستار عن كاهلهم،فيظهرون على حقيقتهم الخسيسة.. وهم في كل ذلك إنما يرومون النيل من المؤمنين والإيقاع بهم، والتحريض عليهم، وإلحاق أقصى درجات الأذى بهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} 13. لكنّ الله- عز وجل-، يُواجههم بتهديده الرهيب الذي يُزلزل كيانهم، فيزيدهم عمى وتخبُّطًا، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ليحشرهم إلى مصيرهم المحتوم،بعد أن يمهلهم ولا يهملهم،ليزدادوا استهتارًا وضلالًا وشططًا وعدوانًا على المؤمنين،إلى أن تحين ساعتهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} 14.أليسوا هم الذين ارتضوا لأنفسهم هذا المصيرَ؟!.. ألم يكن الإيمانُ في متناولهم؟!.. ألم يكن الهدى يلامس قلوبهم وأنفسهم؟!.. فليذوقوا إذن تبعات الظلام الذي ارتضوه لنفوسهم: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } 15.

5-غادرون لا عهد لهم: يعاهدون الله على فعل الخيرات،وعلى الالتزام بما يأمرهم به ربهم،لكنَّ قلوبهم خواء،وعقولهم هراء،وشياطينهم متمكّنون من رقابهم،فهم ناقضون لعهد الله- عز وجل-: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ } 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت