فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 9994

الصفة الثانية: (( ويقيمون الصلاة ) )قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والخشوع، والإقبال عليها فيها، وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها وسجودها.. وكلام المفسرين في هذا متقارب، والمعنى واحد، وهو أن المقصود بإقامة الصلاة أن تكون صلاة كاملة كما أراد الله.. والمفهوم السائد في هذا الزمن: أنهم فهموا من ذلك مطلق الصلاة، فكل من صلى فهو مقيم للصلاة، ولو كانت كيفما تكون.. إنه لا بد من التفريق بين القيام إلى الصلاة، وبين إقامة الصلاة.. إن إقامة الصلاة تعني: إتمام الصلاة بخشوعها، وركوعها، وسجودها والإقبال على الحي القيوم، وأما القيام إليها فمن الممكن أن يقوم كل واحد منا إلى الصلاة.. ولكن قد يكون قلبه معلق في أمور خارج الصلاة، فالجسد حاضر والروح طائر، فيخرج العبد من الصلاة ولا يدري ما قال فيها.. إلا أن هناك مسألة مهمة وهي: أن الواجب و الفريضة من حيث كون الصلاة فرضًا تكون قد رفعت عنه، أي الإيجاب و الإلزام بالصلاة، فهو بمجرد القيام بالصلاة يكون قد سقط عنه الفرض.. لكن الشيء الخطير الذي لا يتقنه إلا الحذاق، وهو كيف تكون صلاتنا كلها أو أكثرها مقبولة من حيث الأجر والثواب، ورفع الحسنات، وكيف لا تكون كذلك؟

إن الفارق بين هذا وذاك هو الخشوع والخضوع، والإقبال بالجوراح والقلب على الله -تعالى-، ولهذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته, تسعها, ثمنها, سبعها,سدسها, خمسها، ربعها, ثلثها, نصفها"رواه أحمد وحسّنه الألباني .

وإقامة الصلاة من المفاهيم التي سيء فهمها، وغلط في تطبيقها، حيث أننا أخذنا الأمر على أنه ركيعات ننقرها كنقر الغرب الدم، ثم نخرج منها ونحن عباد الله المقربون!!

فسبحان من جعل لكتابه هذه الفصاحة والبلاغة، والمعاني العظيمة التي تستخرج من ألفاظ موجزة. فمن أقام الصلاة كما ذكر علماء التفسير وغيرهم، فهو المتقي حقًا، ويصدق عليه قول الله ( المتقين) وهو المهتدي بهذا القرآن، والمنتفع به حقًا.

الصفة الثالثة: دفع الزكاة الواجبة والمستحبة: (( ومما رزقناهم ينفقون ) )أي ومما أعطاهم الله من الرزق الذي سهله لهم في الأرض ينفقون ويخرجون زكاة أموالهم، التي هي ركن من أركان الإسلام.. قال قتادة: فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها. قال ابن كثير رحمه الله: (كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق لله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده، والابتهال إليه، ودعائه، والتوكل عليه.. والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين، بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك: القرابات، والأهلون، والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله -تعالى-:(( ومما رزقناهم ينفقون ) ). أ.هـ.

لقد اتضح لنا من خلال الكلام السابق أن الزكاة تشمل الآتي:

1.زكاة الأموال إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وهي ركن من أركان الإسلام.

2.الإنفاق على الوالدين والأهل، وهذا واجب.

3.الإنفاق على الفقراء والمساكين، من غير الأقارب الواجب الإنفاق عليهم، فهذا من المستحبات، وهذا من غير الزكاة الواجبة والمفروضة؛ لأن الإنسان في هذه الحال يدفعها بدون إلزام ولا إيجاب من الشرع، ولكن لمزيد خير وإحسان.

فالإنفاق شامل لهذه الأصناف المذكورة.

فمن أدى زكاة ماله سخية بها نفسه، راضيًا بحكم الله، من غير تكلف ولا جحود، ولم يكن كارهًا لبخله وحرصه، بل كان طيب النفس فهو من (المتقين) .

الصفة الرابعة: (( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) ).

قال ابن عباس: يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به مَن قبلك مِن المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم.. وهذا يدخل في عموم قوله -تعالى-: ( الغيب) لأن كتب من قبلنا وإنزالها على الرسل لم نشهده ولم نعلمه، فالإيمان بذلك من الإيمان بالغيب، وهذا التخصيص هنا يدلنا على أهمية الإيمان بالكتب، وأشرفها: القرآن الذي نسخ من قبلها؛ لأن الإيمان به يستلزم الإيمان ببقية أمور الغيب.

الصفة الخامسة: (وبالآخرة هم يوقنون) أي بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان - كما ذكر ابن كثير، وسميت ( الآخرة) بذلك؛ لأنها بعد الدنيا متأخرة عنها، و اليقين معناه: التصديق الجازم الذي لا يعتريه شك، وهو ضد الريب والشك، فاليقين منتهى التصديق، ومنه عين اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين، فعلم اليقين: الإيمان بالشيء عن بعد، وحق اليقين: الإيمان بالشيء عن قرب منه، وتلمس لأحواله ودلالاته، وعين اليقين: هو أعلى درجات اليقين؛ لأنه يرى عين الشيء وكنهه. ولهذا جاء في الخبر الصحيح ( ليس الخبر كالمعاينة) [1] ومثاله: ما لو قيل لإنسان إن في هذه العلبة حلواء، وهو يراها من بعيد فصدق، فهذا علم اليقين، فإن قربت إليه ونظرها ازداد يقينه، وهذا هو حق اليقين، فإن ذاقها وطعم حلاوتها، فهذا هو عين اليقين.

فاليقين هنا معناه: التصديق بيوم الدين؛ لدلائل القرآن والسنة، ولسنة الله في العدل والفصل.. وهو يتفاوت بين مؤمن وآخر، فمنهم من يكون عنده علم اليقين، ومنهم من يكون عنده حق اليقين، ومنهم من يكون عنده عين اليقين، وهو أعلى الدرجات، كما جاء عن بعض الصحابة أنه قال: ( لو رأيت الجنة لما ازداد في يقيني شيئًا) وقال الآخر: ( لو كشف الحجاب لما ازداد في إيماني شيئًا ) بمعنى أن اليقين لديهم لا يعتريه أدنى شك فيما يؤمنون به, وهذا أعلى درجات الدين وهو الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) [2] .

وقوله -تعالى-: (أولئك) : إشارة إلى من تقدمت صفاتهم من الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والإنفاق، والإيمان بما أنزل على الرسل، واليقين بالدار الآخرة.

(على هدى) : أي على نور وبيان وبصيرة من الله، (وأولئك هم المفلحون) . أي الفائزون في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.. فالفلاح هو الفوز الأبدي في الدنيا والآخرة، فإن من وفقه الله للسداد في هذه الحياة، والاستقامة على سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والموت عليها، كان من الفائزين المفلحين..

فكل هذه الصفات تجعل الإنسان مؤمنًا حقًا، وهو بذاك من المتقين، الذين اتقوا عقاب الله بهذه الصفات الشريفة العالية... كل هذه الآيات تتحدث عن صفات المتقين.. وستأتي الآيات بعدها لتحدثنا عن صنف ثانٍ ممن اتصفوا بصفات خبيثة، وهم الكفار.. ثم في الآيات بعدها صفات لشر الخليقة وأخبثها، وهم المنافقون، الذين يطعنون في صف الإسلام من داخله، وقانا الله شرهم، فما أكثرهم في هذا الزمن! ولا قوة إلا بالله.

إن شاء الله في الحلقة الثانية سيكون الكلام عن صفات الكافرين والمنافقين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

[1] - رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر في المسند ( 1842 )

[2] - رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت