التصرف المحكوم عليه في هذه القاعدة يدخل تحته كل تصرف سواء كان تصرفاً مالياً أم تصرفاً غير مالي كالحد والتعزير، وغيرهما، والسجن تصرف من تصرفات الولاة، وإذا لم يحقق المقصود منه فإنه لا يجوز الأخذ به بل يعد الأخذ به حينئذ محرماً شرعاً، ويترتب على ذلك أن يؤخذ ببدائله.
وقد علم أيضاً أن السجن جنس واحد، وأن الجنايات متفاوتة من حيث الجسامة، ومن حيث قصد الجاني وعدم قصده، وتكرار الجناية من عدمها، ومن حيث خطر الجاني، والسجن وحده قد لا يكون محققاً المصلحة المقصودة، ويلزم من هذا إيجاد بدائل للسجن تحقق المصلحة الشرعية المقصودة من تشريع التعزير.
القاعدة الثانية:"الأصل ملاءمة العقوبات التعزيرية للجنايات" (30) .
بناء على هذا الأصل مع ما عرف من أن السجن لا يلائم كل الجنايات، فإن إقامة بدائل للسجن أمر لا بد منه.
القاعدة الثالثة: مهما حصل التأديب بالأخف من الأفعال والأقوال والحبس والاعتقال لم يعدل إلى الأغلظ؛ إذ هو مفسدة لا فائدة فيه لحصول الغرض بما دونه" (31) ."
هذا الضابط الذي نص عليه العز ابن عبدالسلام، واضح الدلالة على المراد؛ إذ كل فرد من أفراد التعزير ومنها السجن إذا كان غيره أقوم بالمصلحة منه فإنه لا يعدل إلى الأشد الأغلظ.
أنواع بدائل السجن:
تقسم بدائل السجن أقساماً، فمن ذلك:
أنه بالنظر إلى تعينه وعدم تعينه، يمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يتعين فيه البديل لعدم تحقيق الحبس للمصلحة الشرعية، بأن يكون - مثلا - في الحبس ظلم أو مفسدة ظاهرة للمسجون.
الثاني: ما يتعين فيه الحبس لعدم تحقيق البديل للمصلحة الشرعية، وذلك إذا كان السجن هو الوحيد من بين أفراد التعزير يحقق المقصود، سواء حماية المجتمع، أو إصلاح الجاني، أو حفظ الحقوق وغيرها.
الثالث: ما لا يتعين فيه أحدهما، بل يختار ولي الأمر ما يراه راجحاً من أفراد العقوبات التعزيرية.
وهذا التعين وعدمه قد يكون أساسه صفة قائمة بالشخص المحكوم عليه، تمنع من إقامة البديل في حقه أو تعينه، وقد يكون أساسه نوع القضية وصفتها.
وقد أشار القرافي (32) إلى نماذج من موجبات السجن فذكر منها: حبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظاً لمحل القصاص، وحبس الممتنع عن دفع الحق، وحبس الجاني تعزيراً وردعاً عن معاصي الله تعالى، وحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة كالصوم عند الشافعية، وحبس من أقر بمجهول عين أو بشيء في الذمة، وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينهما.
ثم أشار إلى ما تتعين فيه البدائل قائلاً:"ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه فإن امتنع من دفع الدين، ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين، ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين كان رهناً أم لا فعلنا ذلك، ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام المنكر في الظلم وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله".
ومن ناحية أخرى يقسم البديل إلى قسمين: بديل عن أصل السجن، وبديل عن بعض المدة المقررة.
وبالنظر إلى نسبتها إلى السجن في الشدة والضعف تنقسم إلى بدائل أشد من السجن وبدائل أخف منه.
وبالنظر إلى نوع البديل يقسم إلى بديل مالي وبديل غير مالي، وبديل حسي وبديل معنوي.
الهوامش:
1-لسان العرب (619/1) ، مادة: عقب.
2-التشريع الجنائي الإسلامي، لعبدالقادر عودة (609/1) .
3-إعلام الموقعين (118/2) .
4-النهاية في غريب الحديث (228/3) .
5-القواعد الكبرى للعز بن عبدالسلام (293/1) ، وإعلام الموقعين (118/2) ، والتعريفات للجرجاني (85) .
6-عرف الماوردي الجريمة اصطلاحاً بأنها:"محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير"الأحكام السلطانية ص: (273) . وأما الجناية فأكثر الفقهاء يخصونها بالأفعال المنهي عنها الواقعة على نفس الإنسان أو أطرافه، لكن ابن رشد في بداية المجتهد (394/2-395) ،وغيره، ذكروا أن الجناية تشمل التعدي على النفوس والفروج والأموال والأعراض والعقول.
7-إعلام الموقعين (118/2) .
8-الفروق (182/4) .
9-الفروق للقرافي (180/4) ، والذخيرة له (271/8) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (748) . وقد ترتب على التلازم بين الحد والمعصية أمران: 1- أن الحدود لا تقبل شهادته لأنه ذاهب العدالة. 2- أنه لا يجوز أن يبلغ في التأديب على المفاسد العادية غير المعاصي مبلغ الحد، كتأديب الصبيان والمجانين والبهائم، والتعزير على ما ليس معصية.
10-القواعد الكبرى للعز بن عبدالسلام (293/1) .
11-مجموع الفتاوى (343/28) .
12-الفروق (182/4) .
13-معجم مقاييس اللغة (137/3) ، والتعليق على الموطأ في تفسير لغاته للوقشي (33/2) ، وعمدة الحفاظ (200/2) .
14-السجن وموجباته في الشريعة، للدكتور محمد بن عبدالله الجريوي (37/1) .
15-الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (462/2) .
16-مجموع الفتاوى لابن تيمية (398/35) .
17-انظر بعض هذه التعاريف في: السجن وموجباته للجريوي (40/1-42) .