فهرس الكتاب

الصفحة 3941 من 9994

هذه الآيات موجهة لهذه الحقيقة الكبرى وفي ظلالها، وبعد الآيات التي فصلت فيها فيما كان عليه أهل الشرك والجاهلية في زمان مضى وهي كذلك في جاهلية اليوم وأزمنة العصر الحاضر تختلف صورها تختلف مظاهرها لكن تتحد حقائقها وتتفق أصولها في مناقضتها ومخالفتها لأمر الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}

جملة هذه الوصايا فيها قيام الحياة كلها قيام حياة القلوب بالتوحيد والإيمان وقوام حياة الأسرة بالبر والإحسان وقوام حياة المجتمع بالعفة والطهارة وقوام حياة الإنسانية بالعدل والوفاء فالإسلام العظيم يربي الفرد ويقيم الأسرة ويطهر المجتمع ويظلل الإنسانية بعدالته.

دين كامل وتشريع عظيم هذه الوصايا موجزة في ثلاث آيات فحسب اشتملت على جملة من المأورات والمحظورات التي بها تستقيم حياة الناس جميعا مسلمهم وغير مسلمهم ؛ فإن الإسلام جاء بالعدل والإنصاف والوفاء بالحقوق وإعطاء الناس ما لهم ومطالبتهم بما عليهم ..

{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } .

والآيات فيها أوامر وليس كلها محرمات قال المفسرون:

"إن ذكر أصول المحرمات يدل على ما يقابلها من المباحات وإن الله نوع بين نهي عن محرم وأمر ببر وواجب ليشتمل ذلك على هذا وذاك كل بحسبه في بلاغة القرآن المعجزة فبماذا كانت البداية .."

{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا }

أول الأمر وبدايته الإيمان بالله خالصا له سبحانه وتعالى ، والتوحيد له نقيا من كل شائبة ؛ ولعلنا هنا نقف وقفات عديدة ؛ لأن الناس يتصورن الشرك في تلك الأصنام التي كانت حول الكعبة في مكة، يتصورونه فيمن يسجد لتلك الأصنام أو يذبح لها ويقتصر ذهنهم وفهمهم على مناقضة التوحيد أو مخالطته بغير ما هو عليه وما هو منه بهذه الصورة فحسب !

ولذلك ينبغي أن ننتبه أن القرآن في هذه الوصايا بدأ بأكبر المحرمات وأفظعها وأشدها إفساداً للعقل والفطرة وهو الشرك بالله وتعالى ؛ سواء كان شرك باتخاذ الأنداد له - جل وعلا - أو باتخاذ شركاء يرى أنهم يشاركونه في تصريفه للأمور وتدبيره لها ، أو اتخاذ شفعاء يكونون عنده وسطاء ، أو اتخاذ تشريع وحكم غير تشريعه وحكمه الذي أنزله في كتابه وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم فكل شيء وكل ضرب من ضروب الشرك ينبغي أن يكون في أعظم قائمة المحرمات المنهي عنها التي تحفظ القلب والنفس ، والتي يقوم عليها البناء .. إذ التوحيد قاعدة بناء الإسلام: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } ؛ لأنه عمل على غير إيمان لأنه عمل من غير توحيد: { ولقد وأوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } .

إن أمر توحيد الله عز وجل عظيم ففيه الاعتراف بربوبية الله - جل وعلا - خلقاً وتدبيراً ، والاعتراف بألوهيته - سبحانه وتعالى - خضوعاً وتعبداً ، والاعتراف بأسمائه وصفاته تعظيماً وإجلالاً ، إنه يشتمل على كل مشاعر القلب التي تخرج منه كل تعلّق بغير الله ، وكل رجاء في غير الله ، وكل خوف من غير الله ، وكل ذلّ لغير الله عز وجل ، ليبقى موحّداً قويّاً في صلته بربه سبحانه وتعالى ، وليبقى حينئذٍ ، وقد أقرّ بخلق الله وتدبيره ورزقه وإحيائه وإماتته وتصريفه لكل أمر ، عالماً بأن الذي أنعم ينبغي أن يُعبد ، وإذا عُبد ينبغي ألا يُشرك ، وإذا كانت له أسماء وصفات فليس له معها ولا بها ولا فيها أحد يشابهه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .

إن امتلاء القلب بهذه الحقيقة هو أساس هذا الدين كله .. هو الذي طهّر محمد صلى الله عليه وسلم به قلوب وعقول الكافرين والجاهليين ، فأصبحوا من خلّص أصحابه رضوان الله عليهم .. صفاء في توحيدهم ، وقوة في يقينهم ، ورسوخ في إيمانهم ، وتجرد في إخلاصهم ، وعظمة في تقواهم ، وصدق في توكلهم ، وقوة في ثقتهم بالله عز وجل ، وعظمة في حبهم له ، وشدة في خوفهم منه سبحانه وتعالى .

ذلك هو جوهر الإيمان والتوحيد .. ليس مجرد كلمات تقال فحسب ، وليس مجرد إتباع للأوامر فحسب ! بل هو ذلك الشعور الذي يستقر في سويداء القلب ، وفي أغوار النفس فيملك على الإنسان كل مشاعره ، وكل خواطره ، وكل أقواله ، وكل أفعاله ، وكل أحواله فيكون في كل حركة وسكنة وكلمة وسكتة يُعبّر عن صلته بالله عز وجل وتوحيده له سبحانه وتعالى .

وحقيقة الشرك بالله تعالى كما يقول السعدي في تفسيره:

"أن يعبد المخلوق كما يعبد الله ، أو يعظمه كما يعظم الله ، أو يصرف له شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية ؛ حتى الذين يعظّمون غير الله تعظيماً يشابهه تعظيمهم لله فيخضعون لهم ويوافقونهم ويتابعونهم ويقرّون لهم بما يخالفون من شرع الله عز وجل ؛ فإنه يصدق فيهم ما صدق في قول الله عز وجل عندما تنزلت الآيات على رسول الله عليه الصلاة والسلام: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم } ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت