{ويسلموا تسليما } أي يقبلوا قبولا تاما من أعماق قلوبهم ونفوسهم ، دون أدنى شك ولا أقل حرج ولا أيسر معارضة ولا شيء مما فيه ضرب من الاعتراض بحال من الأحوال، ولذلك جاء هذا الخطاب وهذه الوصية التي أُمر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام لتبين لنا جملة الأمور المهمة كما روي عن ابن عباس أن هذه الوصايا قد أجمعت عليها الشرائع كلها ولم ينسخ منها شيء قط ، وأنها خلاصة وجوهر هذا الدين ، وأنها التي بها العصمة من كل زلل ومن كل فتنة والتي من استمسك بها فقد أدّى ما عليه وقد وفّى لله جلا وعلا بما أمره به ونهاه عنه ، ومن بعد ذلك من قصّر أو فرّط فحسابه على الله عز وجل .
ومن هنا فإن هذه الآيات والوصايا تشتمل على أصول المحرمات في الأقوال والأفعال وأصول الفضائل ، وأنواع البر فهي تجمع ما نهي عنه ، وما أمر به من الكليات التي تستقيم بها الحياة ابتداء من اعتقاد القلب ويقين النفس ، وانتهاء بفعل الجوارح والسلوك ، ومروراً بألفاظ اللسان وأقواله ، وتعريجاً على العلاقات والصلات والمعاملات والأحكام والتشريعات .. فهي شاملة لذلك كله ففيها قوام الدين كله ؛ لأنها تشتمل على جوهر هذا الدين العظيم ..
قل للمتبعين لأهوائهم الذين يقدمون الظنون على الحقائق ، والذين يحللون ويحرمون بحسب أهواءهم .. قل لهم: { تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }
فإن الذي يحل ويحرم إنما هو ما ثبت بالوحي وجاء به الشرع الكريم ونطق به الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، ولقد كانت استجابة الأصحاب في زمن المصطفى عليه الصلاة والسلام استجابة فريدة نادرة ذلك أنه قال لهم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )
فكانت استجابتهم ليست مقتصرة على مجرد امتثال الأمر واجتناب النهي بل المبادرة إلى ذلك في الفعل سبقاً وحرصاً ومبالغة ربما عند بعض الناس في بعض الأحوال، كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يحرص على اقتفاء السنة وإتباع أثر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينيخ ناقته حيث أناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته وحتى يستظل في سفره بالشجرة التي استظل النبي صلى الله عليه وسلم تحتها، فلا يدع شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا حرص أن يترسم فيها خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قال ما قال وجاءه بعض الناس بأقوال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال:"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر".
ليبّن أن المعقد إنما هو في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الأقوال إنما تفهم في ضوءهما وترجع إليهما وتنطلق منهما ، وما وافقها فهو الحق وما خالفها فربما كان اجتهادا وقع فيه خطأ .. وهكذا نرى من جهة أخرى جانب الانتهاء عن التحريم ، فلقد كان الصحابة رضوان الله عليهم كما وصف الحسن رضي الله عنه قال:"كان يدعون بينهم وبين الحرام سبعون باباً من الحلال"؛ أي يتقون الشبهات ويبتعدون عن المحرمات بعداً عظيماً ؛ لما سيأتي ذكره في هذه الآيات والوصايا كما في قوله: {ولا تقربوا الفواحش } ؛ اجعلوا بينكم وبينها مسافة لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد قال: ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) .
وكم هي أقوالنا اليوم هذا لا بأس به وهذا ربما كان ليس فيه شيء وهذا ربما كان من المكروهات فما زلنا نفعل هذا ونغض الطرف عن هذا ونقع في هذا حتى وقعنا في جملة أحوالنا في كثير من المحرمات إلا من رحم الله عز وجل .
روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدّث إلى أصحابه يوماً وفي يده حرير وذهب وقال: ( إن هذان حرام على ذكور أمتي حلال على إناثها ) .
وكان في القوم رجل في يده خاتم من ذهب فنزعه من فوره ووضعه فلما انتهى المجلس قالوا له: لو أخذت خاتمك فانتفعت به . فقال: ما كنت لآخذه وقد طرحته لله ولرسوله .
مع حلّ ذلك لكنهم كانوا يريدون أن لا يكون بينهم وبين شيء من النهي صلة ولا تعلق .
ولما نزل قوله جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } .
لم تبقى لحظة واحدة ، ولا دقيقة واحدة قبل التنفيذ بل كانت المبادرة التي شُقت فيها قنان الخمر وسكبت الكؤوس من الأيدي ، ومُجت تلك القطرات من الأفواه ؛ لأن القلوب مسلمة لأمر الله ؛ لأن الإيمان مستكن فيها ومستقر فيها ولسان حالها كما قال جل وعلا: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} .