كقوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين {الفتح: 27} ، وقوله تعالى: وهم من بعد غلبهم سيغلبون {الروم: 3} ، وقوله عز وجل: ليظهره على الدين كله {التوبة: 33} ، وقوله جل وعلا: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض {النور: 55} ، وقوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح {النصر: 1} إلى آخرها.
فكان جميع هذا كما أخبر تعالى: فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناس في دين الإسلام أفواجًا، فما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد دخل الإسلام بلاد العرب كلها، واستخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن فيها دينهم وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب كما قال صلى الله عليه وسلم:"زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها". رواه مسلم.
ومنه قوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله {المزمل: 20} ، وذلك قبل أن يُفرض القتال لأن السورة مكية.
وقوله تعالى: سيهزم الجمع ويولون الدبر {القمر: 45} ، فهزموا يوم بدر، وقوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم {التوبة: 14} ، وقوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار {آل عمران: 111} ، فكان كل ذلك.
وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون {الحجر: 9} ، فكان كذلك، فكم من ملحد وضال ومجرم قد أجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم، فما قدروا على إطفاء شيء من نوره ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله، فإن الله تكفل بحفظه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وعلى الرغم مما حوته كتب الشيعة الروافض من الطعن في القرآن- ونقلهم عن أئمة أهل البيت كذبًا وافتراءً تغييره بالزيادة والنقصان- وكذلك ما تمخض عن داري نشر أمريكيتين فقذفتا لنا أخيرًا آيات شيطانية في مصحف مزعوم اسمته:"الفرقان الحق"ويوزع في إحدى الدول العربية على المتفوقين من أبنائنا الطلبة في المدارس الأجنبية الخاصة، يتألف من 77 سورة حرفوا فيه كتاب الله ونشروا فيه الباطل، فإن كل ذلك لم يؤثر في تواتر صحته عند المسلمين شيئًا، بل لم يزدد إلا تعظيمًا وتقديرًا وانتشارًا.
ومن إعجازه: تأثر المستمع به
تأثر مستمعه به ثابت في نصوص القرآن والسنة، قال سبحانه وتعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله {الحشر: 21} ، وقال تعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله {الزمر: 23} ، وقال تعالى مخبرًا عن تأثر الجن بالقرآن: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا {الجن: 1، 2} ، روى البخاري عن ابن عباس قال:"انطلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجع الشياطين فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء، قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا {الجن: 1، 2} ، وأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن {الجن: 1} وإنما أوحى إليه قول الجن."
تأثر النصارى بالقرآن
قوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين {المائدة: 83- 84} .
وكذلك تأثر كفار قريش به: كما روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون {الطور: 35- 37} ، كاد قلبي أن يطير.