قال قتادة رحمه الله:"كلمتان يُسئل عنها الأولون والآخرون يوم القيامة، ماذا كنتم تعملون؟ وما أجبتم المرسلين؟"أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على الخيرة من خلقك، والمصطفى من عبادك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
في الآيات التي تدل على سؤال الناس يوم القيامة، آية عظيمة في آخر سورة التكاثر، قال الله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] . قال محمد بن جرير الطبري رحمه الله:"ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا ماذا عملتم فيه من أين وصلتم إليه؟ وفيما أصبتموه وماذا عملتم به؟ سيسألكم الله عن ذلك، إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه."
والسؤال بل والنعيم المسؤول عنه يوم القيامة نوعان: نوع أُخذ بحله ومن حله وصُرف في حقه فيُسأل عن شكره، النعيم الذي وصلنا إليه بالحلال المحض وصرفناه في الحلال المحض نُسأل عن شكره، هل شكرتم هذه النعمة العظيمة، بل النعيم العظيم الذي جعلكم الله فيه في الدنيا، هل أتيتم بشكره وقدّمتم شكره؟ هل قمتم بواجب الله تعالى فيه؟.
والنوع الثاني: نوع أخذ بغير حِله وصُرف في غير حقه، يسئل عن الذي وصلنا إليه بغير الطريق الحلال وصرفناه في غير الحلال نسئل عن مستخرجه وعن مصرفه، من أي استخرجتموه؟ وفيما صرفتموه؟ سؤال من الله تبارك وتعالى يوم القيامة عن النعيم بنوعيه، ورضي الله عن صحابة رسول الله الذين كان الواحد منهم إذا وضع الماء في الظل ليبرد بعض الشيء ولتخف درجة حرارته وسخونته يشربه فإذا أحس فيه بشيء من البرودة بكى وقال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] .
ماء بُرِّدَ بعض الشيء لا كل الشيء، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] . فما بالنا نحن غرقنا في النعيم إلى آذاننا وتقلبنا في أعطافه، وما زال سخطنا على قضاء الله وقدره وعدم رضانا بما رزقنا الله عز وجل، وعدم أدائنا لشكر هذه النعم. ما زال واقعًا مشاهدًا وما زلنا مصروفين عن كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله لا نلقي لذلك بالاً، وما بكم من نعمة فمن الله، كما قال في سورة النحل:
ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [النحل:53] . تفزعون إلى الله، إذا مسكم ضر، ومستكم مصيبة، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ [النحل:54] .
عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل الذي رآه سعيد بن جبير في خيمة ابن عباس في الحج يتعلم على يديه القرآن من كبار الصحابة من آكابرهم ومن العشرة المبشرين بالجنة، وإن لم يكن من العشرة المعدودين فهو منهم بُشر بالجنة، وهناك كثيرون لم يدخلوا في العشرة المعدودين جاءتهم البشائر من رسول الله بالجنة.
عبد الرحمن يطلب العلم ويتعلم القرآن على صحابي من سن أبنائه أو أبناء أبنائه، فيسأله سعيد بن جبير: أتتعلم القرآن على يدي ابن عباس يا عبد الرحمن؟ قال: نعم. شغلنا الغزو عن كتاب الله عز وجل، الجهاد والغزو منعهم من أن يحفظوا القرآن كله، ويتعلموا القرآن كله لمصلحة الإسلام، فما الذي شغلنا نحن عن كتاب الله عز وجل، إن كان الذي شغلهم هو الجهاد في سبيل الله عز وجل، فما الذي شغلنا نحن؟ فلنسأل أنفسنا هذا السؤال.