فهرس الكتاب

الصفحة 3791 من 9994

وأخيرا في هذا التأصيل الموجز، الاقتداء بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثمامة بن أثال سيد قومه بني حنيفة في وسط الجزيرة، زعيم كبير من زعماء العرب، قبض عليه بعض الصحابة رضوان الله عليهم واقتادوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بربطه في سارية من سواري المسجد، فهو يرى المسلمين ويرى صلاتهم ويرى أحوالهم، يأتي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما عندك يا ثمامة ؟! ) هات ما عندك ..

يقول: ( يا محمد - صلى الله عليه وسلم- إن تقتل تقتل ذا دم -إن قتلتني فوراءي من ينتصر لي ويأخذ بثأري- وإن تفدي تفدي ذا مال) إن أردت المال فأنا صاحب مال، ويتكرر المشهد مرة واثنتين وثلاثا وثمامة على موقفه فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحل رباطه وإطلاق سراحه.

هذه هي قيم الإسلام وسماحته لا إكراه في الدين، وأراد أن يرى الإسلام أراد أن يحاوره كان هذا موقفه، فماذا صنع ثمامة؟

خرج من المسجد وخرج إلى بعض أطراف المدينة عند نخل ثم اغتسل ورجع إلى المسجد وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أسلم من الذي دعاه من الذي أكرهه، لا أحد، هكذا هو الإسلام كما نرى إلى يوم الناس هذا، ثم قال:"يا رسول الله إن أصحابك أخذوني وأنا قاصد العمرة فما تأمرني ؟"قال: ( أدي عمرتك ) .

فذهب إلى مكة يعتمر على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كفار قريش:"أصبأت يا ثمامة"، قال:"لا ولكني أسلمت لله واتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال كلمته الشهيرة"لا والله لا يأتيكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم""

سيد بني حنيفة في اليمامة المورد الأساسي للحنطة وللطعام لأهل مكة قال: والله لا يأتيكم حبة حنطة حتى يأذن رسول الله، واشتد الأمر على قريش فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله وترجوه أن يأمر ثمامة بفك وقطع المقاطعة، وفعل رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ما الذي جاء بقريش صاغرة بين يدي رسول الله .. ما الذي أذلها في هذا الموقف ؟ إنها المقاطعة الاقتصادية.

وقبل أن أفيض في جوانب أخرى أقف الوقفة الثانية ، وهي: وقفة المقاطعة من قبل غير المسلمين

كيف صنعت قريش وما الذي اتخذته لكي تضغط على كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، كلنا يعلم أنها قاطعت النبي صلى الله عليه وسلم بل وبني هاشم حتى من غير المسلمين، لماذا؟ أسلوب من أساليب الضغط وفض الناس عنه وجعله في حال لا يستطيع أن يواصل مسيرته وأن ينشر دعته كما يظنون ويزعمون.

كيف كانت تلك المقاطعة ؟ إنها مقاطعة ظلم وجور حتى قال سعد بن أبي وقاص:

"ذهبت لقضاء حاجتي، فسمعت عند تبولي صوت قعقعة شن - أي قطعة من جلد- قال فأخذتها فإذا هي قطعة جلد فأخذتها ونظفتها ودققتها ثم سففتها فكانت قوتي ثلاثة أيام"من شدة المقاطعة، لم تكن مقاطعة اقتصادية بل مقاطعة شاملة، لا تشتروا منهم، لا تبيعوهم، لا تزوجوهم، لا تتزوجوا منهم، كل شيء كان داخلا في دائرة هذه المقاطعة .

وأنتقل بكم ألفاً وأربعمائة من السنوات وأكثر، لأذكر بالمقاطعة التي كانت قبل احتلال العراق، كان حصادها اليومي خمسة آلاف طفل يموتون في كل يوم، كان حصادها الاقتصادي والصحي والاجتماعي فضيعا بحيث كان يسجل كجريمة إنسانية من الدرجة الأولى، عندما كان هناك خلاف بين الفرنسيين والأمريكيين في هذه الحرب قبل بدءها قاطع أولئك الأمريكيون البضائع الفرنسية فيما بينهم حلال عليهم وحرام علينا، ونحن نعلم أن هذه الدول كلها قاطبة في الأخبار والنشرات والممارسات تستخدم هذه المقاطعة على نطاق واسع وتظم إلى الاقتصادية السياسية والعسكرية وغيرها مما تعلمونه.

ألم يكن إخواننا في البوسنة والهرسك قبل بضع سنوات أو عشر سنوات فأكثر محرومون من قطعة السلاح بموجب المقاطعة وأعداءهم يصبون النار فوق رؤوسهم حتى كان الحصاد نحو مائتين وخمسين ألفا من المسلمين في أقل من عامين، أليست هذه كلها أساليب استخدام هذا السلاح القوي.

واليوم نحن معاشر المسلمين أكثر من ألف مليون ومائتي مليون مسلم لو كانت لهم كلمة واحدة ومقاطعة قاطعة لنوع واحد من البضائع لركعت تلك الشركات واهتزت تلك الاقتصاديات، وتراجعت تلك السياسات ووقفت تلك الدول، كما رأينا في حادثة الدنمرك، ذهب السفراء وقفوا على الباب ورجعوا خائبين، طرقت أبواب القضاء سدت في الوجوه، صاح الصائحون كأن لا أحد يتكلم، ويوم بدأت المقاطعة رأينا الوفود يمينا ويسارا، ورأينا التصريحات ورأينا المراجعات ورأينا كذا وكذا، ما الذي يدل عليه ذلك، يدل على أن الأثر هو الذي يمكن أن يكون له صدى في زمن هو زمان القوة وعصر يسمونه عصر الأقوياء.

ثم أنتقل إلى جوانب أخرى أيها الأخوة، ليست المقاطعة لأجل أعداءنا بل هي لنا كذلك، فهي تربية، تربية عظيمة لها فروع كثيرة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت