فهرس الكتاب

الصفحة 3758 من 9994

ومن هذه الصور ما يقع اليوم في بطاقات الإثمان، عندما يسدد بعض الناس عبرها من حساب خالٍ صفرٍ إنما يسدد في الحقيقة البنك بالنيابة عنه، يقرضه المال فيسدد به عنه، ليأخذه من راتبه الذي ينزل في حسابه في نهاية الشهر من الجهة التي يعمل فيها، فإذا تأخر عن السداد فإنه يخصم عليه مبلغاً إضافياً يسميه شرطاً جزائياً نظير التأخر عن التسديد، وهذا ربا وحرام ولا شك، وقد حرم الله الربا من السبع الكبائر العظيمة، وكذلك يأخذ بعضهم نسبة مئوية عليه حين يشتري عبر هذه البطاقة، وقد يأخذ مبلغاً مقطوعاً فيسميه أتعاباً إدارية، فإذا كان مقطوعاً يساوي فعلاً هذه الأتعاب فلا بأس بذلك، وإذا كان يزيد عليها وهو يسدد من حساب البنك لا من حسابه فهذه الزيادة ربا، فإذا كان لك مال في حسابك تسدد منه عبر البطاقة فنحن نفهم أن يكون هنالك أتعاب للبنك بالقيام بهذا العمل يسمى أتعاب إدارية أو مصاريف إدارية، وأما إذا كنت تسدد في الحقيقة من مال المصرف الذي أصدر لك البطاقة فهذا قرض، فكل ما زاد عن المصاريف الإدارية في الحقيقة يكون رباً، لأن هذا المصرف قد استفاد من القرض فوق الأتعاب الإدارية، وكذلك فإن هؤلاء الذين يأخذون نسبة مئوية على المبلغ الذي اشتريت به، لا يمكن أن يصدق أنها أتعاب ومصاريف إدارية، لأن هذه النسبة تعظم كلما عظم المبلغ، وتقل كلما قل المبلغ مع أن العملية باستخدام الآلات وتقييدها واحدة لا فرق بين أن يكون المبلغ كبيراً أو صغيراً، ولذلك كان من قرارات المجمع الفقهي الإسلامي أن هذا المأخوذ بالنسبة لا يجوز وما زاد عن المصاريف الإدارية في حال أنك تسدد من مال المصرف لا من مالك وحسابك فارغ فما زاد عن هذه المصاريف فهو ربا أيضا،، وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء ببطاقات التخفيض التي يتبعها بعض الأطراف نظراً لما فيها من الجهالة والغرر وأكل المال بالباطل، وكثيراً ما تكون سبباً للنزاعات والمخاصمات، وفيها إضرار بالتجار الذين لم يشتركوا في برنامج التخفيض، وفيها تداول للمال بين طائفة معينة، وهم المشاركون في برنامج هذا التخفيض، فيدفع صاحب بطاقة التخفيض مبلغاً معيناً ثم لا يدري هل يستفيدوا منه أم لا؟، وهل يستفيد منه قليلاً أو كثيراً ؟، ولذلك فإنه في هذه المعاملة شبهات وعليها ملاحظات شرعية ينبغي الحذر منها.

عباد الله، إن استخدام التقنيات المعاصرة في تسهيل الأمور على الناس مطلب شرعي، لأن الشريعة تحب التسهيل والتيسير، { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ، ولذلك فإن إجراء المعاملات من بعد عبر هذه الوسائل أمر طيب وفيه تسهيل على الناس، ولا شك في ذلك وهذه التجارة الإلكترونية هي نوع من هذا العمل الذي فيه التسهيل على الناس، ولكن ينبغي أن نعلم كيف نبيع؟ وكيف نشتري؟ وكيف نحذر من الجهالة؟ وكيف نحذر من الغرر؟ والغرر إذا كان يسيراً لا يؤثر، أما إذا كان كثيراً فإنه محرم مؤثر، وكذلك إذا كان مستقلاً فإنه لا يجوز، وقد يجوز إذا كان تبعاً لغيره، ومثال ذلك: أن تشتري جهازاً فيعطونك مع الجهاز عقد ضمان، مرفقاً مع بيع وشراء الجهاز، وهذا في الحقيقة لقاء مبلغ معين إذا تعطل الجهاز قاموا بإصلاحه بموجب عقد الضمان الذي تدفع أنت مقابلاً له، فإذا كان عقد الضمان ضمن عقد البيع فهو مغتفر فيكون جائزة، وأما إذا كان عقد الضمان مستقلاً كأن يقول لك: إذا اشتريت هذا الحاسوب فالضمان عليه سنة، فإذا أردت أن تجدد الضمان بعد سنة بعقد مستقل فتدفع مائتين مثلاً، فهذا الضمان بعقد مستقل هو في الحقيقة نوع من التأمين المحرم، فإن الصفقة انتهت وأنت قد اشتريت الجهاز وانصرفت به واستعملته سنة ثم بعد ذلك تريد أن تشتري منهم عقد ضمان جديد مستقل تدفع عليه مقابلاً، فإذا طرأ الخلل استفدت مما دفعت، وإذا لم يطرأ خلل ذهب ما دفعته هباءاً منثوراً عليك، ولذلك كان هذا في الحقيقة نوع من التأمين المحرم وهو من بيوع الغرر التي نهت عنها الشريعة، فهذا الفرق بين أن يكون تبعاً لعقد البيع أصلاً فهو مغتفر فيه ويسير فيه وبين أن يكون بعقد مستقل فيكون فيه هذا الغرر.

ومن الأمثلة أيضاً أن تشتري شاةً وفي بطنها حمل فيكون شرائك للشاة هو الأصلي وهذا الحمل تابع فهذا جائز، نعم،، قد يوجد في بطنها ذكر، وقد يوجد أنثى، وقد يوجد واحد، وقد يوجد اثنان، ولكنه تابع للأصل وهو شراء الأم فهو مغتفر، أما لو بيع الحمل منفصلاً فيقول لك أبيعك فقط ما في بطن هذه الناقة، أبيعك فقط ما في بطن هذه الشاة، بمائتين فأنت تنتظر حتى تلد الشاة لتأخذ ما اشتريته لأن هذا الشراء قد وقع على ما في بطنها فقط مستقلاً، فلا تدري هل هو واحد أو اثنين؟، هل هو ذكر أو أنثى؟، هل يخرج حياً أو ميتاً؟، فيكون هذا من باب الجهالة والغرر المحرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت