كيف تحصن نفسك اذا أقبلت الذنوب والمعاصي؟ وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه سوف: (( يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر ) )يصبح الواحد ما يتحمل أن يتمسك بدينه ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ) )، في الصباح تراه مصلياً ساجداً ذاكراً يعرف حق ربه ثم اذا أقبل الليل وغربت الشمس فاذا به يجحد أوامر الله ويستهزئ بشرع الله (( ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ) )فمالذي حدث؟ قال بعدها عليه الصلاة والسلام: (( يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )كم وكم من الناس كانوا صالحين فإذا بشهوة أوبمعصية ينقلبون بسببها على أعقابهم.
واسمع يا عبد الله إلى هذا الرجل الذي كان صالحاً طوال حياته بل كان مؤذناً يؤذن للناس ويدعوهم الى الصلاة كان يقوم على منارة المسجد فيقول: حي على الصلاة. حي على الفلاح وفي يوم وهو يؤذن نظر بالقرب من المسجد فاذا فتاة فجعل ينظر إليها ويطيل النظر ولم يغض بصره، فاذا بقلبه يتعلق بها فنزل بعد الأذان وقصد بيت تلك الفتاة فلما طرق الباب فرحت تلك الفتاة وهي نصرانية فقالت له: مؤتمن ويخون؟ أي أنت أمين للناس تؤذن لهم ثم تخون الأمانة، فقال لها: إني أريدك، فقالت: اذاً تريدني زوجة؟ قال: نعم، قالت: لكن بشرط واحد قال: ماهو؟ قالت: أن تتنصر - أي تترك دينك وتكفر فاذا به يقبل شرطها، ويقول: أتنصر، فسبحان مقلب القلوب لا اله الا الله أرأيتم كيف تدخل الذنوب الى القلوب، فتقبلها وتبدلها، ثم أدخلته البيت وقالت له: إشرب من هذا الكأس، فاذا به يشرب الخمر ويأكل الخنزير ثم قالت له: أصعد على سطح البيت فإذا جاء والدي أخبرته الخبر، فلما صعد السطح وهو سكران سقط من أعلى المنزل، فاذا به يفارق الحياة على نصرانيته وردته، يقول المولى جل شأنه: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ويقول: (( إن قلوب أبناء آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) )فاللهم يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
الخطبة الثانية
إن أول أمر تحفظ به نفسك من الذنوب والمعاصي هو: المحاسبة والمراقبة أن تراقب الله جل وعلا دائماً وفي كل مكان، واعلم أن هناك من يراك ومن يطلع عليك، إنه الواحد الأحد إنه الذي يحسب عليك كل نفس وكل خاطرة وكل نظرة وكل كلمة عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن يجهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أي الذي يخفي نفسه في الظلام ويغلق الباب على نفسه من الذي يراه ألم يعلم بأن الله يرى وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث أنشد يقول:
إذا ماخلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
بلى يا عبد الله اذا أتيت الله يوم القيامة فإنه يعرض عليك كتاباً لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصائها يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضراً وماعملت من سوء تود لو أنها بينها وبينه أمداً بعيداً إسمعي يا أمة الله إلى تلك المرأة التي غاب عنها زوجها في الجهاد وظلت أشهراً على هذه الحال تصارعها الفتنة فمر عمر بن الخطاب ببيتها فسمعها تردد هذه الآبيات:
تطاول هذا الليل وأسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله رباً أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه