الله أكبر الله أكبر ما أطيب ثمار التقوى وما أعظم عواقب التعظيم أيها الإخوة فإن العبد إذا صدق مع الله تعالى صدقه إذا صدق العبد مع ربه جل وعلا في معاملته وخوفه ورجائه ومحبته وتعظيمه صدقه الله سبحانه وتعالى فإنه سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرر قصده وأن يعظم الله تعالى في قلبه. ومن أعظم ما يقدح في قلب العبد التعظيم أن ينظر في آيات الله تعالى فإن النظر في الآيات مما يملأ قلب العبد تعظيماً للرب جل وعلا إذا تأمل العبد هذه الأفلاك وما فيها من عظيم الصنع تأمل العبد في نفسه فيما أمره الله بالنظر إليه من عظيم المخلوقات كان لذلك من الأثر في قلبه وسلوكه تعظيماً لله تعالى وإجلالاً ما ليس لغيره.
أيها الإخوة وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب في ذلك مثلاً عظيماً بيناً واضحاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من نومه في أول نهاره كما في الصحيح كان يمسح وجهه صلى الله عليه وسلم ثم يقرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران: ?الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ? (1) يقول ابن عباس: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم خرج فنظر إلى السماء فقرأ هذه ثم صلى ما كتب له ثم رجع فنام ثم ماذا كان منه لما استيقظ ثانية؟ مسح النوم عن وجهه ثم خرج فنظر إلى السماء وقرأ قول الله تعالى: ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ?. (2) (3)
إن العبد أيها الإخوة إذا تعامل مع ربه جل وعلا هذه المعاملة من النظر في آلائه ونعمه سبحانه وبحمده كان ذلك من أعظم ما يغرس في قلبه تعظيم الله تعالى وإجلاله, إن العبد إذا تعامل مع الله تعالى معاملة صادقة وفقه إلى معرفته فإن العبد إذا تعرف على الله انفتحت له أبواب المعارف كلها وتفجرت ينابيع الحكمة في قلبه ويسر الله له من الإيمان والصدق ما ليس لغيره ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أعلم الناس بالله عز وجل كانوا أعظم الناس إيماناً وأعظم الناس تعظيماً لله تعالى فكان قدر الله في قلوبهم عظيماً حتى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بعضهم بما بشره من الفضل والأجر والسبق والفوز لم يركنوا إلى هذه البشارات بل كانوا على خوف ووجل. فهذا أبو بكر صديق هذه الأمة وإمامها وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند موته: يا ليتني شعرة في صدر عبد مؤمن. وهذا عمر رضي الله عنه في مرض موته يقول: يا ليتني أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي. وكان رضي الله عنه شديد التحري في طلب المنافقين حتى إنه يسأل حذيفة رضي الله عنه: هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن سمى من المنافقين؟ وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق على أنفسهم وعلى قلوبهم لعظيم ما كانوا عليه من تعظيم الله تعالى ومعرفة حقه فإن العبد إذا عرف حق ربه جل وعلا استصغر ما يكون من العمل، وأذكر في ذلك ما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. (4) ففضل الله تعالى هو المحيط بالعبد أولاً وآخراً هو الذي يسوغ للعبد دخول الجنة فلولا فضل الله ورحمته سبحانه وبحمده ما كان عمله ولا كان سبباً لدخول الجنة ولا كان نعيم في الجنة إنما هو محض فضل الله ورحمته وقد قال جماعة من السلف في بيان عظيم فضل الله عليهم وأن عملهم لا يقوم بشيء من حقه سبحانه وبحمده قالوا: إن العبد لو عبد الله تعالى منذ خروجه من رحم أمه إلى أن يؤويه لحده ما أوفى الله حقه فلو كان العبد ساجداً لله تعالى منذ خروجه إلى الدنيا إلى مماته فإنه لم يف لله تعالى حقه وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله..
أيها الإخوة الكرام إننا ندعو إلى تعظيم الله تعالى وإجلال الله جل وعلا بالقيام بحدوده والقيام بحقه إن الطريق الذي يوصل إلى ذلك هو ما أشرنا إليه فيما تقدم من المعرفة بالله تعالى من التفكر في آلائه ونعمه من النظر في قصص الصالحين فإن النظر في قصص الصالحين ومنهم النبيون يجد فيها الإنسان شيئاً كثيراً مما يثمر الإيمان في قلبه ويحيي في قلبه الإقبال على طاعة الله والعمل بمراضيه.
(1) سورة آل عمران الآية (191) . ...
(2) ... سورة آل عمران الآية (190) . ...
(3) البخاري برقم (1140) . ...
(4) صحيح ابن حبان برقم (348) .