فهرس الكتاب

الصفحة 3579 من 9994

ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكّفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق، ولا قاصد إليه، ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه، ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله عز وجل بالتوبة معنى، ولكان كل من توضأ وصلى يُشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر، وهذا لا يقوله أحدٌ ممن له فهمٌ صحيح.

وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرضٌ، والفروض لا يصحّ أداء شيء منها إلا بقصدٍ ونيّة، واعتقاد أن لاعودة، فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر، ولا نادم على ذلك فمحال"."

ج- الذنوب التي لا يغفرها الله تعالى:

1-الشرك الأكبر:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] ، وقال: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ) ).

قال القرطبي رحمه الله:"إن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد".

ونقل ابن حزم والقرطبي والنووي الإجماع على أن المشرك يخلد في النار.

2-الشرك الأصغر:

وقد اختلف في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه تحت المشيئة، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما يظهر ميل الإمام ابن القيم إليه في الجواب الكافي.

القول الثاني: أنه تحت الوعيد، وهو الذي مال إليه بعض أهل العلم.

3-حقوق الآدميين:

أ- أنواع المظالم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه ) ).

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل ما لهذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طُرح في النار ) ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وحقّ غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول، فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات".

ب- القتل:

ذلك لأن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق:

1-حقّ الله.

2-حق الولي والوارث.

3-حق المقتول.

فحق الله يزول بالتوبة، والوارث مخير بين ثلاثة أشياء: القصاص، والعفو إلى غير عوض، والعفو إلى مال.

ويبقى حق المقتول، عن جندب رضي الله عنه قال حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة، فيقول: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: قتلته على ملك فلان ) )قال جندب: فاتَّقِها.

قال ابن القيم رحمه الله:"فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل من حق الله، وسلم نفسه طوعاً إلى الوارث، ليستوفي منه حق موروثه: سقط عنه الحقان. وبقي حق الموروث لا يضيّعه الله. ويجعل من تمام مغفرته للقاتل: تعويض المقتول. لأن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله، والتوبة النصوح تهدم ما قبلها. فيعوض هذا عن مظلمته. ولا يعاقب هذا لكمال توبته. وصار هذا كالكافر المحارب لله ولرسوله إذا قتل مسلماً في الصف، ثم أسلم وحسن إسلامه؛ فإن الله سبحانه يعوّض هذا الشهيد المقتول، ويغفر للكافر بإسلامه، ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلماً. فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله. وعلى هذا إذا سلّم نفسه وانقاد، فعفا عنه الوليّ، وتاب القاتل توبةً نصوحاً، فالله تعالى يقبل توبته، ويعوض المقتول".

رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب الاستغفار (2702) .

مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة (ص 259) .

مدارج السالكين (1/182) .

شرح صحيح مسلم (17/59) .

شرح صحيح مسلم للنووي (17/59) ، وانظر رياض الصالحين (ص 10-11) .

لوامع الأنوار البهيّة للسفاريني (1/372) .

فتح الباري (11/103) .

انظر: المعاصي وآثارها (ص 332) .

رواه البخاري في الدعوات، باب أفضل الاستغفار (6306) .

فتح الباري (11/99) .

تفسير القرآن العظيم (2/462) .

رواه أحمد (5/153) والترمذي في البر، باب ما جاء في معاشرة الناس (1987) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (96) .

رواه البخاري في تفسير القرآن، باب قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار...} (4687) ، ومسلم في التوبة، باب قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (2763) .

شرح صحيح مسلم (17/79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت