2-وذهب المعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فحكمه الخلود في النار، فخالفوا الخوارج في الاسم، ووافقوهم في الحكم.
3-وذهبت المرجئة إلى أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار.
4-وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا يسلب اسم الإيمان بالكلية، ولا يعطى اسم الإيمان بإطلاق، فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وحكمه في الآخرة أنه تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له ابتداء وأدخله الجنة، وإن شاء عذّبه بقدر معصيته، ثم يخرجه ويدخله الجنة .
لسان العرب لابن منظور (6/443) مادة: كبر.
انظر: الزواجر لابن حجر الهيتمي (1/14-25) .
انظر: شرح الطحاوية (ص 371) ، وشرح صحيح مسلم للنووي (2/85) ، ومجموع الفتاوى (11/650) .
انظر: نيل الأوطار للشوكاني (10/243) ، ومجموع الفتاوى (11/654-655) ، وفتح الباري (12/184) .
انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص190-192) .
ثالثاً: الصغائر:
أ- تعريفها:
الصغائر لغة:
قال ابن منظور رحمه الله:"الصغر: ضد الكبر. قال ابن سيده: الصغر والصغارة خلاف العِظم، وقيل: الصِّغَر في الجرم، والصَّغارة في القدْر".
والصغائر شرعا:
1-قيل: إنها ما لم يقترن بالنهي عنها وعيد أو لعن أو غضب أو عقوبة.
2-وقيل: ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة.
3-وقيل: هي ما دون الحدّين: حدّ الدنيا، وحد الآخرة.
4-وقيل: هي كل ما ليس فيها حدٌّ في الدنيا ولا وعيدٌ في الآخرة، والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب.
ب- لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار:
عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً قال لابن عباس رضي الله عنهما: كم الكبائر أسبع هي؟ قال: (إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار) .
ويؤيد ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما، ما روى سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) ).
قال ابن القيم رحمه الله:"وها هنا أمرٌ ينبغي التفطّن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر. بل يجعلها في أعلى المراتب. وهذا أمرٌ مرجعه إلى ما يقوم بالقلب. وهو قدر زائد على مجرّد الفعل. والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره".
لسان العرب (7/351) مادة: صغر.
انظر قواعد الأحكام للعزّ (ص 38) .
الجواب الكافي (ص 136) .
انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص 371) . ومجموع الفتاوى (11/650) .
شرح العقيدة الطحاوية (ص 371) .
جامع البيان (1/41) ، وانظر: فتح الباري (12/183) ومختصر منهاج القاصدين (ص 257) .
رواه أحمد في المسند (5/331) ، وصححه الألباني في الصحيحة (389) .
مدارج السالكين (1/356) .
رابعاً: آثار الذنوب والمعاصي:
أ- أثر الذنوب والمعاصي على الفرد:
1-تضعف في القلب تعظيم الربّ جل وعلا ووقاره وهيبته وكبرياءه:
قال ابن القيم رحمه الله:"فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب، والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حقّ قدره، وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره؛ ويرجو وقاره، ويجلّه من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال، وأبين الباطل، وكفى بالمعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه".
2-تُذهب حياء القلب وغيرته:
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) ).
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله لهذا الحديث تفسيرين:
أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يردعه عن القبائح فإنه يواقعها، وهذا تفسير أبي عبيدة.
والثاني: أن الفعل إذا لم تستح منه من الله فافعله، وإنما الذي ينبغي تركه هو ما يستحي منه من الله، وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية.
وحقيقة الحياء كما نقل النووي عن العلماء:"خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي حق".
3-تنكس القلب وتزيغه، فلا يطمئن إلا بها: