وردّوا حديث عبد الله بن السائب، وطعنوا في صحته.
أدلة القول الثاني:
استدلوا بحديث عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: (( إنا نخطب فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب ) ) ( [49] ) .
وعلل ابن قدامة عدم وجوب استماع كونها جعلت بعد الصلاة، قال:"وإنما أخّرت الخطبة عن الصلاة والله أعلم لأنها لم تكن واجبة، جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها من تركها، بخلاف خطبة الجمعة" ( [50] ) .
الترجيح:
والمتأمل في هذه الأقوال لا يجد مستندًا لها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لذا فالأخذ بتعليل الإمام أحمد هو الذي ينبغي، ولا يرخّص في الانصراف إلا من حاجة، لأنه لو رُخِّص في ترك الاستماع من غير حاجة، جاز أن يذهب الناس كلهم، ويبقى الخطيب وحيدًا.
ومن حضر الخطبة حرم عليه التشويش على الناس في استماعها، والله أعلم .
فصل:
قال الحصفكيُّ:"ويستحب أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات تترى، أي متتابعات، والثانية بسبع، وهو السنة، وأن يكبر قبل نزوله من المنبر أربع عشرة" ( [51] ) .
ولا أعلم له مستندًا في ذلك، والله تعالى أعلم .
* مراجع المسألة:
الكتاب (1/336) ، المبسوط (2/38) ، المدونة (1/168) ، الرسالة (ص: 144) ، حاشية ابن عليش (1/280) ، الأم
(1/213) ، فتح العزيز (5/54) ، نهاية المحتاج (2/392) ، البيان (2/647) ، روضة (2/74) ، الشرح الكبير (5/357) ، الإنصاف (5/357) ، المبدع (2/188) ، المستوعب (3/63) ، تصحيح الفروع (2/142) ، حاشية الروض (2/513، 5/192) ، الشرح الممتع (5/510) ، نيل الأوطار (3/306) .
هل يعيد الخطيب الخطبة لبعض الحاضرين إذا لم يسمعوها لبُعْدهم ؟
استحبَّ بعض أهل العلم إذا رأى الخطيب أنه لم يُسمِع بعض الحاضرين أن يعيد عليهم الخطبة.
واستدلوا لذلك بحديث جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد، فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى النساء وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة.
قلت لعطاء: أترى حقًا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ ؟ قال: إنّ ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا يفعلوا ( [52] ) .
قال الشافعي:"وإن رأى أنّ النساء وجماعة من الرجال لم يسمعوا خطبته، لم أر بأسًا أن يأتيهم فيخطب خطبة خفيفة يسمعونها، وليس بواجب عليه، لأنّه لم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة، وقد خطب خطبًا كثيرةً، وفي ذلك دلالة على أنّه فعل وترك، والترك أكثر" ( [53] ) .
قال النووي:"إذا فرغ الإمام من الصلاة والخطبة ثم علم أنّ قومًا فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة سواء كانوا رجالاً أم نساءً، وممن صرّح به من أصحابنا البنديجي والمتولي، واحتجوا له بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد، فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهنّ فذكرهنّ ووعظهنّ وأمرهن بالصدقة ( [54] ) " ( [55] ) .
وهذا الاستحباب لا يظهر في هذه الأزمان؛ إلاّ إذا عُدِمت أو تعطلت مكبرات الصوت في المصليات؛ فيستحب للخطيب أن يعيدها لمن لم يسمعها إذا آنس منهم رغبة في ذلك منه، والله أعلم .
* مراجع المسألة:
الأم (1/212) ، المجموع (5/24) ، البيان (2/646) .
ماذا يصنع الإمام إذا أحدث بعد الصلاة ؟
قيل للإمام مالك: أرأيت الإمام إذا أحدث يوم العيد قبل الخطبة بعدما صلى يستخلف أم يخطب بهم على غير وضوء ؟ قال: أرى أن لا يستخلف، وأن يتم بهم الخطبة ( [56] ) .
وذلك لأنّ الطهارة ليست شرط للخطبة، والله أعلم .
( [1] ) أبو داود (1155) وقال:"هذا مرسل، عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم"، والنسائي (3/185) وقال كما في تحفة الأشراف (4/347) :"هذا خطأ، والصواب مرسل"، وابن ماجه (1290) ، والحاكم (1/295) وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء (629) .
( [2] ) نيل الأوطار (3/363) ط: دار الحديث .
( [3] ) كيحيى بن معين، انظر: السنن الكبرى للبيهقي (3/301) ، وكأبي زرعة، انظر: علل ابن أبي حاتم (1/180) .
( [4] ) ابن ماجه (1289) ، والبيهقي في الكبرى (3/198) ، فيه إسماعيل بن مسلم الخولاني ضعيف، وأبو الزبير مدلس، وقد عنعن، قال الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (265) :"منكر سندًا ومتنًا، والمحفوظ أن ذلك في خطبة الجمعة".
( [5] ) أخرجه البزار، انظر: كشف الأستار (1/315) ، وفيه عبد الله بن شبيب، قال الحافظ في اللسان (3/299) :"ضعيف جدًا".
( [6] ) نقلاً عن ابن الهمام في شرح فتح القدير (2/79) ، ولم أجده في المجموع .
( [7] ) الشرح الممتع (5/191 - 192) .
( [8] ) مختصر المزنِي، انظر: الحاوي (2/492) ، وبنحوه في الأم (1/397) .
( [9] ) انظر: المجموع (5/21) .
( [10] ) المجموع (5/21) .
( [11] ) الفروع (2/141) .
( [12] ) الأم (1/211) .
( [13] ) أبو داود (1145) ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1014) .
( [14] ) نيل الأوطار (3/330 - 331) .