قال ابن تيمية:"وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ورفع ضرورته قويت عبوديته له، وحريته مما سواه... فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق... وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبّراً لهم متصرفاً بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر".
قال الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57] .
قال ابن تيمية:"المحب يخاف من زوال مطلوبه، أو عدم حصول مرغوبه، فلا يكون عبدُ الله ومحبُّه إلا بين خوف ورجاء".
وقال:"ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين ـ أي: الحب والذل ـ، فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه، كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه، بحسب حبه له ورجائه إياه، وإذا لم يحب أحداً لذاته إلا الله، وأي شيء أحبه سواه فإنما أحبه له، ولم يرجُ قط شيئاً إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها، كان مشاهداً أن الله هو الذي خلقها وقدّرها وسخرها له، وأن كل ما في السموات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخّره، وهو مفتقر إليه، كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك."
والناس في هذا على درجات متفاوتةٍ، لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه"."
فلا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، فمثل العبد مثل طائر رأسه المحبة وجناحاه الخوف والرجاء، وإنما جُعلت المحبة بمثابة الرأس لأنه المقصود الأسمى الذي يبقى، وأما الخوف والرجاء فلا خوف ولا رجاء بعد دخول العبد الجنة ورضا الله تعالى عليه.
قال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد.
ويبعث هذين الركنين في النفس ويثيرهما ويقوّيهما أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل، قال ابن القيم رحمه الله:"قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله الا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) )، فجمع في قوله صلى الله عليه وسلم: (( أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي ) )مشاهدةَ المنة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار، والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً".
ولهذا السر كان من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ) )، فهو يحمد الله تعالى على ما اتصف به من صفات الجلال والجمال والكمال، وعلى ما تفضل به من النعم العظام، ويستعينه لضعفه وعجزه وافتقاره إليه، ويستغفره لتقصيره وذنبه.
العبودية (ص33-35) .
العبودية (ص152) .
العبودية (ص131) .
العبودية (ص114-115) .
العبودية (ص180) .
العبودية (ص133-134) .
الوابل الصيب (ص6) .
سابعاً: شروط العبودية:
لا تقبل العبودية من العبد إلا إذا توفّر فيها شرطان اثنان، الأول: الإخلاص، والثاني: أن تكون على شرع الله.
قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} [الكهف:110] ، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ * الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:1، 2] .
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.