فهرس الكتاب

الصفحة 3181 من 9994

وقد جعل الله - عز وجل - سهماً وقسماً من أقسام أموال الزكاة للمؤلفة قلوبهم ، وبعض الناس إذا جئت تتئلف الناس قال لم هذه الدنية في البيت ولم هذا التميع ، سبحان الله ! هذا من نهل هذا الدين مع أن الشدة لها موضعها والحزم له موضعه ، لكن لا بد أن ندرك هذه الآثار كما أخبرنا الله - عز وجل - في قصص الرسل والأنبياء .

المحطة الثامنة والأخيرة: التدرج والمراعاة

بعض الناس يريد أن يكون الأمر على قول القائل:

ما بين غمضة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال

يريد أن يعظ الناس بالموعظة في الصباح فلا يأتي الظهر الا وقد استجابوا عن بكرة أبيهم ، لا بد أن يكون هناك أسلوب في التدرج وإذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع .

لا بد أن يكون هناك مراعاة لأحوال الناس لعقولهم لمداركهم لظروفهم لبيئاتهم.."حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله".

وفي حديثه لعائشة - رضي الله عنها - قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لولا أن قومك حديثوا عهد ـ قال عروة أي بكفر - لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باباً يدخل منه الناس وباباً يخرجون منه ) .

إذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لماذا ؟ لمراعاة أحوال الناس حتى لا يسبق عندهم هذا الفعل فيبقى عندهم إعراضاً أو مواجهة له أو عدم قبول له أو نفرة منه فلا بد من هذه المراعاة .

ومن هذه المراعاة تلمُّس حاجات الناس وعدم المشقة عليهم ، لما علم النبي - عليه الصلاة والسلام - بقصة معاذ كان يصلي مع النبي - عليه الصلاة والسلا -م ثم يذهب فيصلي بقومه ، فقال أحد الناس له حاجه فخرج من الصلاة مما يطول بهم معاذ ، فقام النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو مغضَب: ( إن منكم منفِّرين فإذا صلى أحدكم بالناس فليوجز فإذا صلى وحده فليطوِّل )

( وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الطفل فيوجز في صلاته )

لا تشقُّوا على الناس وتفتنهم وتريدوا بعد ذلك أن يتأثروا بك ويستجيبوا لك ، ولذلك كان النبي - عليه الصلاة والسلام - كما قال عبد الله ابن مسعود:"يتخولنا بالموعظه مخافة السآمة علينا".

هذا أيضاً من مراعاة حال الناس في أوقاتهم، يأتي بعض الناس يُلقي الموعظة الطويلة في الوقت الشديد على الناس من حيث إرهاق يعانون منه أو تعب أو ارتباطهم بأعمالهم أو نحو ذلك ، ومن هذه المراعاة أيضاً - كما قلت - النظر إلى عقول الناس وإدراكهم للأمور ، وكما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

لا بد من مراعاة ظروف الزمان والمكان، النبي - عليه الصلاة والسلام - لما بعث معاذ قال له:

( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ) .

ظروفهم بيئتهم خلفيتهم مختلفة فأعطاه أسلوباً معيناً وتدرجاً معيناً ، وكذلك إجابات النبي - عليه الصلاة والسلام - للسائلين تدل على مراعاة الحالة ، يأتي أحدهم ويقول أوصني يقول: لا تغضب ، الآخر يقول: أوصني ، يقول: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ، أحدهم يسئل أي العمل أفضل فيجيبه بإجابة والثاني يجيبه بإجابة وما من شيء الا أنه راعى حال هذا السائل فوقع الأثر ، وقد صح في مسند الإمام أحمد: أن رجلاً جاء يسأل النبي - عليه الصلاة والسلام - عن القبلة للصائم فمنعه ، ثم جاء آخر فأجاز له ، فلما سُئل عن ذلك ، قال:"ذاك شاب لا يملك إربه وهذا شيخٌ ليس له إرب"، فهذا فرق وتفريق بين أحوال الناس وكذلك تنويع الذي أشرت إليه أيضاً فيه مراعاة للناس .

كان ابن عباس يفسِّر القرآن فإذا رأى أنه قد طال الأمر بهم، قال احمضوا بالشعر فيُأتي بالشعر فيغير هذا .

ومن أيضاً هذا التدرج والمراعاة، ترتيب الأولويات فلا تأتي للناس بالأمور التي ليست لها أولوية فتشغلهم بها بل تدرَّج في هذا، وكذلك مراعاة الظرف حتى لا يسبق الفهم شيءٌ خاطئ فالنبي عليه الصلاة والسلام أتاه حكيم بن حزام فسأله فأعطاه ثم أتاه فسأله فأعطاه، ثم قال له: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلو من أعطيه من غير استشراف بورك له فيه ومن سأله باستشراف نفسه لم يبارك له فيه )

لو أن النبي عليه الصلاة والسلام، قال له هذا القول من أول مرة لظن أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لا يريد أن يعطيه ، لكنه أعطاه ثم أعطاه ثم بين له ذلك ، فعرف أن هذه نصيحة لا تتعلق بذلك الأمر، نعم فهذه المراعاة مطلوبة ومتنوعة - كما قلت - في الوقت ، في اختيار الموضوع المناسب ونحو ذلك ، فكما قال بعضهم تمثيلاً على هذا أي على عدم الأخذ بالمراعاة أن يأتي الانسان أو المتحدث أي قوم عندهم مجاعة فيعظهم بالزهد في الدنيا، ويأتي آخر إلى قوم عندهم ثراء ونعمة فيحدثهم عن التحدث بنعمة الله وحب الله لإظهار النعمة التي أنعم بها على عبده ، وهذا لا شك أنه من غير المراعاة المطلوبة لهذه الأحوال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت