بواعث الإيمان المقوية للثقة بالنفس
أ - الوضوح والثبات
أعظم شيء يعين على النفس على الثقة ويغرس فيها هذا المبدأ هو الوضوح في الرؤية والثبات والإستقرار لها ونحن في الإيمان قد أكرمنا الله بذلك، نعرف الغاية التي لأجلها خلقنا، ونعرف الطريق الذي يوصلنا إلى تلك الغاية، ليس عندنا حيرة ولا اضطراب ولا شك ولا تردد في مثل هذه المسألة وهذا يكسبنا ثقة عظيمة في نفوسنا ؛ لأننا نعرف حقيقة هذه الحياة وحقيقة ما فيها وحقيقة ما يأتي بعدها، ليس عندنا ذلك التخبط الذي يقوله القائل:
جئت لا أدري من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
ولماذا لست أدري لست ادري ؟
هذه الحيرة والتخبط ليست عندنا بفضل الله عز وجل، ثم يعطينا الإيمان والمبدأ الإسلامي .
ب ـ هي التوازن والاعتدال
الإيمان والإسلام يعطينا نظرة صحيحة متوازنة لكل شيء في هذه الحياة، ومن أهم هذه النقاط في التوازن، بين الدنيا والآخرة، نحن لا نغرق في دنيانا، ولكننا لا ننساها، ونحن لا ننقطع لأخرانا، ولكننا أيضاً لا نغفل عنها، الله - عز وجل - يقول: { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } .
بينت لنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الدنيا وحقيقة نظرتنا إليها، وحقيقة تعاملنا معها، فلا نميل ميلاً إلى الدنيا، ولا نميل ميلة ننقطع بها عنها، فكلا طرف الأمور ذميم، وقد بيَّن لنا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه أصحابه - رضوان الله عليهم - ترك الدنيا كلها بحلالها وبما أقر الله عز وجل فيها من ا لطيبات، هو أمر مرفوض في شريعتنا، كما نعرف من قصة النفر الثلاثة الذين عزموا على ترك الدنيا: فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأما أنا فلا أنام الدهر، وقال الثالث: وأما أنا فلا اتزوج النساء ، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أما أنا فأصوم وأفطر ، وأنام وأصلي ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )
هذا التوازن يعطينا ثقة في نفوسنا واستقراراً فيها يفيدنا ويعيننا، لسنا كالذين يسيرون وراء الدنيا، ليس لهم هَمٌّ غيرها، فيكون حالهم كالذي يشرب من ماء البحر .. ماء البحر مالح كلما ازددت شرباً منه كلما زدت عطشاً ، وهؤلاء تنظرون إليهم الذين يجرون وراء الدنيا من ا لماديين والغربيين ونحوهم، يغذُّون الخُطى وراءها ، ثم لا يجدون فيها إلا ذلك السراب، الذي يسيرون وراءه ويسيرون وراءه، حتى إذا وصلوا إليه لم يجدوه شيئاً ورأوا سراباً آخر وانتقلوا إليه، فيظلون يدورون كما يدور الحمار في الرحى، دون أن يجدوا شيئاً فيه بلغة لهم أو يفيء إلى نفوسهم الثقة واليقين، وإن كانت عندهم بعض مظاهر النجاح الدنيوي لبعض ما أخذوا من أسباب هذه الحياة.
ج ـ التحفيز والانطلاق
الإيمان شعلة حياة وشعلة قوة وجذوة حماسة هي التي تدفع الإنسان لكي يعمل ولكي يواجه، ولكي يثري هذه الحياة، إيماننا بالله سبحانه وتعالى يجعلنا واثقون بنصره يجعلنا واثقون بأن وراء هذه الحياة الدنيا مثوبة وأجراً أو عقاباً أو عذاباً والعياذ بالله، هو الذي يجعلنا ننطلق نريد أن نحصل شيئاً لدنياناً وشيئاً لما وراء دنياناً، أما الذي يفقد هذا المبدأ وهذا الاعتقاد ؛ فإنه لا يجد شيئاً يولد له الطاقة ولا يعطيه القوة ولا يبث في نفسه العزيمة ولا يصب في عروقه القوة التي ينطلق بها إلى كثير وكثير مما يحتاجه في هذه الحياة، كيف انطلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة كيف انطلق المسلمون في صورة رائعة، كان يحدوهم فيها الإيمان ويشدهم إليها كل ما ورد في هذا الإيمان من الآمال والطموحات في هذه الدنيا وفيما وراء هذه الدنيا .
د ـ الأمل والتفاؤل
كثيرة هي الأمور التي تعارض ما نريد، كثيرة هي المصائب التي تحل بنا، كثيرة هي العقبات التي تقطع طريقنا، هل يستسلم لها المؤمن، هل يضعف أمامها، هل يتصدع بنيان نفسه، إن إيمانه بقضاء الله وقدره يجعله قوياً يجعله ينظر إلى ما وراء ذلك، ألم نرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر يوم الخندق وقد أصابه وأصاب أصحابه شدة الخوف وشدة الجوع وهو في هذه المحنة يقول لأصحابه:"لكأني أنظر إلى قصور بصرى وقصور الشام، والله ليبلغنَّ ملك أمَّتي إلى تلك البقاع، ويوم خرج مهاجراً طريداً والناس يحيطون به وقريش تبحث عنه".
ويبشّر سراقة بن مالك - وهو يطارده طلباً للجائزة من قريش في هجرته عليه الصلاة والسلام - يبشره النبي صلى الله عليه وسلم بسواري كسرى ، فيكون ذلك كذلك بعد أعوام ليست بطويلة المدى .
إن المؤمن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ) .