ومن تشبيهات الرسول صلى الله عليه وسلم بالشجر تشبيه المؤمن في قوة صلابته وثباته بالأشجار القوية التي لاتهزها رياح الفتن وأعاصير الضلالة، بل يثبت ويتمسك بدينه ولو فُعل به ما فعل، أما طبقة المرتزقة من المنافقين وأذنابهم فشبههم الرسول صلى الله عليه وسلم بشجرة الأرز، وشجرة الأرز معروف ضعفها فأدنى ريح تقلعها، لأن المنافقين أصحاب أهواء، وصاحب الهوى لا يثبت على طريق، بل يتقلب بحسب مصالحه الدنيوية نسأل الله العافية قال عليه الصلاة والسلام: (( مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تفيؤه، و لا يزال المؤمن يصيبه بلاء، و مثل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا يهتز حتى يستحصد ) ) [3] .
قال الله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء .
ومن طرائف أحاديث التشبيه بالشجر ما مثلت به عائشة رضي الله عنها وعن أبيها نفسها بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا. فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ قَالَ: (( فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا ) )رواه البخاري.
أيها المسلمون: أن الشجر كباقي المخلوقات يسبح بحمد ربه كما قال جل وعز: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . وقال سبحانه: والنجم والشجر يسجدان لكنك قد تعجب إذا علمت بأن الشجر أيضاً يلبي مع المسلمين في حجهم وعمرتهم، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا. بل والأعجب من هذا أن هذا الشجر يستريح إذا أهلك الله فاجراً من فجّار الأرض.
نعم، هذا الشجر الذي نراه ونتعامل معه يومياً يتفاعل مع هذا الدين في بعض القضايا التي مات فيها إحاسيس كثير من أبناء هذه الأمة، يستريح إذا مات فاجر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، محارب للدين وأهله. فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَال: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ: (( الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ. وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ) )رواه البخاري. كم من فاجر في هذه الأرض ينصب العداوة لهذا الدين ولأهله العاملون المتمسكون به، ثم يأتي الخبر بهلاكه ولا نحس بالارتياح الذي تحسه الأشجار فنعوذ بالله من موت الشعور، وضعف الأحاسيس تجاه قضايا الدين.
بل إن من عجائب تفاعل الشجر ضد أعداء الدين، ما جاء في صحيح مسلم من أن الشجر يتكلم، ينطقه الله عز وجل بقدرته في آخر الزمان عندما يقضي الله على اليهود بالهلاك، ويكون التمكين لأهل الايمان العاملون به، عندما ترتفع راية الاسلام مرة أخرى في آخر الزمان وتكون الغلبة للدين وأهله، فيبدأ المسلمون في قتل اليهود على أرض فلسطين فيختبأ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيتكلم الحجر والشجر بقدرة من ينطق الجماد إذا أراد. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ: هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) ).
أيها المسلمون: إن من جملة ما أنعم الله به على عباده في الجنة الأشجار، إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة طوبى، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها. بل إن أرواح المؤمنين كما ثبت في الخبر الصحيح عن الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، أن أرواحهم في طير خضر تعلق بشجر الجنة حتى يبعث الله هذه الأجساد يوم يبعثها. وقال في حديث آخر: (( تكون النسم(وهي أرواح المؤمنين) طيراً تعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها )). وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ) ).
قال ابن القيم رحمه الله وهو يصف أشجار الجنة: