فهرس الكتاب

الصفحة 2932 من 9994

وكانوا يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضًا آخر درعًا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة، ودامت على حالها الأوضاع كما سمعت، ولكن ما هي إلا سني يسيرة وإذا بهؤلاء المعذبين يطأون أعناق الجبابرة المتكبرين فاتحين منصورين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 ـ 3] .

ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله رب العالمين. ...

الخطبة الثانية ...

ثم اتخذ رسول الله دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا مركزًا للدعوة، ولاجتماع أهل الإيمان يعلمهم ويهديهم وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم.

وفي رجب سنة خمس من النبوة أذن الله بالهجرة إلى الحبشة فهاجر أول فوج من الصحابة في اثني عشر رجلاً وأربع نسوة رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه رقية بنت النبي . ثم لحق بهم فوج آخر يزيد على المائة فكانوا عند النجاشي في خير جوار وأطيب عيش.

وأخذ كفار قريش يهددون أبا طالب ويطالبونه بإيقاف ابن أخيه عما هو ماضٍ فيه، وفكروا في قتله، أتى عتيبه بن أبي لهب يومًا للنبي وقال: أنا أكفر بـ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: 1] وبالذي دَنَا فَتَدَلَّى [النجم: 8] ثم تسلط عليه بالأذى وشق قميصه وتفل في وجهه، إلا أن البزاق لم يقع على وجهه الطاهر، فدعا عليه النبي وقال: (( اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك ) )فخرج عتيبة في نفر من قريش إلى الشام في مكان يقال له الزرقاء فطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد عليَّ. فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ بأرسه فذبحه.

وأخذ أبو جهل الأمان من قريش في أن يقتله، فأصبح ومعه حجر لا يقوى على حمله، حتى إذا سجد رسول الله احتمله أبو جهل فما هو إلا أن دنا منه رجع مهزومًا منتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه فقالت قريش: مالك يا أبا الحكم؟ قال: لما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمَّ أن يأكلني.

وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاءت للمسلمين بارقة أمل، ألا وهي إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، مرّ أبو جهل برسول الله عند الصفا، فآذاه ونال منه، ثم ضربه بحجر في رأسه فشجه حتى نزف منه الدم، وأقبل حمزة من القنص متوشحًا قوسه، فأُخبر بالذي جرى فغضب غضبًا شديدًا فخرج يسعى، حتى دخل المسجد فوقف على رأس أبي جهل وقال له: يا مصفر استه، تشتم ابن أخي وأنا على دينه، ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، وكان اسلامه أول الأمر أنفة ثم شرح الله صدره للإسلام والنور.

أخرج الترمذي وصححه والطبراني أن النبي قال: (( اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام ) ).

وعلم عمر بإسلام أخته وزوجها فدخل عليهما وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه، يقرئهما إياها، فضرب أخته وزوجها، ثم ندم وقال: اعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقام فاغتسل، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أسماء طيبة طاهرة، فقرأ: طه [طه: 1] إلى قوله: إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا اله إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِى [طه: 14] فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، دلوني على محمد، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم انطلق حتى أتى دار الأرقم فضرب الباب فرآه رجلٌ من خلل الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر، فقال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، فدخل فأخذ رسول الله بمجامع ثوبه وحمائل سيفه ثم جذبه جذبة شديدة فقال: (( أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة، اللهم هذا عمر، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب ) )فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.

قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:"ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر".

وقال صهيب رضي الله عنه:"لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به."

وهكذا فلله جند يعز بهم دينه، ويرفع بهم لواءه، وينصر أولياءه، فهم سيف الإسلام وترسه. ...

المصدر: http://www.alminba صلى الله عليه وسلم .net

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت