فهرس الكتاب

الصفحة 2931 من 9994

قام لم يلهمه شأن عن شأن، ولا شغله أمر بمن أخر، فاللهم أجزه خير ما جزيت نبيًا عن أمته.

ولما كانت مكة مركز دين العرب، وفيها سدنة الكعبة، والقوام على الأصنام المقدسة، كان من الحكمة أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية لئلا يهيج أهل الباطل في مكة.

وفي أول يوم من أيام الدعوة أسلم الرعيل الأول السابقون الأولون، فأسلمت خديجة زوج النبي عليه السلام ومولاه زيد بن حارثة وابن عمه علي بن أبي طالب وإمام الأمة بعد رسولها أبي بكر الصديق، ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلاً مألوفًا محببًا سهلاً رفيعًا في قومه، فأسلم على يده عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، ثم تلى أولئك بلال وأبو عبيدة والأرقم وخباب وابن مسعود وغيرهم.

قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتُحدث به وكان رسول الله يجتمع بهم سرًا ويرشدهم إلى الدين متخفيًا حيث إن الدعوة لا تزال فردية سرية، وكان في أوائل ما نزل الأمر بالصلاة, فكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، ومضت ثلاث سنين والأمر كما هو إلى أن أُمر عليه السلام بالصدع بدعوة الحق فنزل قول الله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين .

وجهر النبي بدعوته فقام يومًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا ) )فقال أبو طالب ما أحب إلينا معاوتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضي لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

فقال أبو لهب: هذه والله السنوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا، وقد قال الشقي أبو لهب للنبي عليه السلام قبل هذه المرة: فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشرٍ مما جئت به.

وروى البخاري ومسلم عن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي على الصفا، فجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ [المسد: 1] .

وهذه سنة الله لا تتبدل ولا تتغير، فأعداء الحق ودعوة الحق كثيرون على مر العصور، ولم يكن ولن يكون طريق الدعوة سهلاً يسيرًا مفروشًا بالرياحين والورود، بل هو شاق طويل يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ آل عمران: 200] .

واستمر عداء كفار قريش للنبي وتفننوا في إيذائه ومن آمن به، ذكر ابن إسحاق أن جيرانه عليه السلام كان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، فاتخذ حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى، وكان عليه الصلاة والسلام يخرج الأذى بعود، فيقف به على بابه ويقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا، ثم يلقيه في الطريق.

وروى مسلم أن أبا جهل حلف باللات والعزى ليطأ في رقبة رسول الله وهو ساجد، فذهب وعاد وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقالوا مالك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة فقال عليه السلام: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا. وكان بلال مولىً لأمية بن خلف فيضع الحبل في عنقه ثم يسلمه إلى الصبيان يطوفون به في جبال مكة، وكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع عليه، فمر عليه أبو بكر فاشتراه بسبع أواق من فضة وأعتقه، وعُذب ياسر وسمية وعمار في الهاجرة وكان النبي يمر بهم، ويقول: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر وطعن الطاغية أبو جهل سمية في قبلها فماتت، وعذب عمار عذابًا شديدًا، وكانوا يأخذون بشعر خباب بن الأرت فيجذبونه جذبًا، ويلوون عنقه ليًا، وأضجعوه مرات عديدة على الفحم الملتهب ووضعوا عليه حجرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت