هذا الساحر الذي يُفَرّق بين المرء وزوجه, ويُظهر في الأرض الفساد، ويَسير بين الناس بالعداوة والبغضاء, ويُلَبّسُ عليهم دينهم، هذا الساحر حكمه في شريعة الإسلام أنّه يُقتل، ودليل ذلك ما رواه الإمام البخاريُّ، رحمه الله، في صحيحه في كتاب الجهاد، بابُ قتل الساحر، عن بُجَالة بن عبيد رحمه الله أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أهل البصرة:"أنْ اقتلوا كل ساحرٍ وساحرة وفرّقوا بين كل ذي محرَم مِنْ المجوس". يَقول بجالة رحمه الله:"فقتلنا في يومٍ واحدٍ ثلاث سواحر"، في يوم واحد قتلوا ثلاث نساء ساحراتٍ كافراتٍ بأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وروى الإمام الترمذي من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حَدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف) ، لأنّ فساده عظيم، وشره كبير، وإثمه مستطير لا يَقتصر على نفسه، بل شرُّه متعدٍّ إلى العباد, شره متعدٍّ إلى الناس. وقد كان أحد الأمراء وهو الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط بين يديه ساحر، يلعب بين يديه، يُمارس ألعابًا سحرية يُخيلها في أعين الناس، يقطع رأس إنسانٍ, ويَحْمله ثمّ يُعيده ثانية، ويقول الناس الجالسون: سبحان الله! إنّه يُحيي الموتى. رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جُندُب الأسْديّ رضيَ اللهُ عنه جاء في اليوم الثاني مشتملاً سيفه، فلمّا بدأ ذلك الساحرُ يَلعَبُ ويُمارسُ تلك الأمور الموهِمة استل سيفه، وضرب عنق الساحر وقال:"إنْ كان صادقاً فليحي نفسه"، فرّق الله بذلك الصحابي بين الحقّ والباطل, بين الهدى والضلال, تبين الكذب والإفك والضلال في فعل ذلك الساحر الذي كان يُخيل للناس صنيعه بأنه قادرٌ على أنْ يُحيي الموتى.
أيها المسلمون عباد الله!
هذا الحكم الذي تعلمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي مارسه عمر بن الخطاب، وجُندب بن عبد الله، وأمُّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، سحرتها جارية لها دبّرتها فقتلتها حفصة رضي الله عنها. هؤلاء الصحابة لا يُعْلَمُ لهم مخالف مطلوبٌ من وليِّ أمر المسلمين أنْ يُحيي هذه السنّة، فإنّ السحرة كفرةٌ، أشرارٌ، فجارٌ، يَسعون بالفساد في الأرض. وإنّ كثيراتٍ من النساء وبعضاً من الرجال يلجأون إلى أولائك السحرة إما للإيقاع بعدوٍ، وإما لتفريقٍ بين المرء وزوجه، وإما للانتقام من واحد من ذوي الأرحام، وما علم أولائك المساكين بأنّ هذا العمل كفر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أتى ساحراً أو كاهنًا فسأله فصدّقه, فقد كفر بما أُنزل على محمد ) )-صلى الله عليه وسلم- الأمرُ جِدٌّ لا هزل فيه.. الساحر زنديق خلا قلبه من مخافة الله. لربّما يكتب القرآن بالنجاسة.. لربّما يُلقي كتاب الله في نجاسة.. لربّما يكفر بالصلاة كلها, أو ببعضها أو يُصلي مع الناس بغير وضوء, أو بغير غسل جنابة، أو غير ذلك من أنواع الكفر، لربّما سبَّ الله, لربّما سبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يكون بينه وبين الشيطان عقد, هذا يَخدمه وذاك يَرُد له الخدمة كما قال الله على لسانهم: (ربّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) ، استمتاع الشيطان: بكفر هذا الساحر, واستمتاع الساحر: بالخدمات التي يُقدّمها له الشيطان. كثيرون يَزعمون أنّهم قد سخروا فئاماً من الجنّ، وهذا هو والله الكذب بعينه. الجنّ لا يُسخّر لأحد بعد نبيّ الله سليمان عليه السلام، نبي الله سُليمان قال الله عنه (إنّا سخرنا له الريح تجري بأمره رُخاءاً حيث أصاب والشياطين كلّ بناء وغوّاص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) ، دعا ربّه فقال: (رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي) ، ليس أحدٌ بعد نبي الله سليمان يملك أنْ يُسخر شيطاناً, الشيطان لا يُسخر لأحد بعد نبي الله سليمان، حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف النبيين, وسيّد المرسلين، لما عرض له الشيطان في صلاته فأمسك به صلى الله عليه وسلم وخنقه حتى سال لعابه على يده، قال عليه الصلاة والسلام: (ولو شئتُ لربطّه بسارية المسجد, حتى يلعب به صبيان المدينة لكنني تذكرت دعوة أخي سُليمان(ربّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) . فلا يخدعنّكم امرؤ يفتري على الله الكذب، ويزعم أنه قد سخّر شيطاناً، أو جملة من الشياطين، ليس هناك تسخير، وإنّما استمتاع، الشيطان لا يخدم هذا الساحر ولا يهيئ له الأسباب التي يمارس بها سحره؛ إلا إذا كفر بالله عزّ وجلّ كفراً قولياً أو كفراً فعلياً، يراه الشيطان بعينه أو يسمعه بأذنه، ثم بعد ذلك يصلح الاستمتاع فيما بينهم.