فأجاب بقوله: (أقول: لاشك ولا ريب أنَّ أهل هذا البيت المطهَّر لهم من المزايا والخصائص والمناقب ما ليس لغيرهم، وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية شاهدة لهم بما خصهم الله به من التشريف والتكريم، والتبجيل والتعظيم، وأما القول برفع العقوبات عن عصاتهم، وأنهم لا يُخاطَبون بما اقترفوه من المآثم، ولا يُطالَبُون بما جنوه من العظائم، فهذه مقالة باطلة ليس عليها أَثارةٌ من علم، ولم يصح في ذلك عن الله ولا عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- حرف واحد، وجميع ما أورده علماء السوء المتقربون إلى المتعلِّقين بالرياسات من أهل هذا البيت الشريف فهو إما باطل موضوع، أو خارج عن محل النزاع؛ بل القرآن أعدل شاهد وأصدق دليل على زجر قول كل مكابر جاحد، فإنه قال-عز وجل-في نساء النبي-صلى الله عليه وسلم-: { مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } الأحزاب: 30، وليس ذلك إلا لما لهن من رفعة القدر، وشرافة المحل بالقرب من رسول الله-صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: ولو كان الأمر كما زعم هذا الزاعم لم يكن لقوله تعالى: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } الشعراء: 214، معنى ولا كبير فائدة، وإذا كان المصطفى يقول لفاطمة البتول-التي هي بضعة منه، يغضبه ما يغضبها ويرضيه ما يرضيها-:(يا فاطمة بنت محمد لا أُغني عنكِ من الله شيئًا) 19 فليت شعري مَنْ هذا مِن أولادها الذي خصه الله بما لم يخصها، ورفعه إلى درجة قصَّرت عنها؟! فأبعد الله علماء السوء وقلَّل عددهم؛ فإن العاصي من أهل هذا البيت الشريف المطهر إذا لم يكن مستحقًا على معصيته مضاعفة العقوبة، فأقل الأحوال أن يكون كسائر الناس.
فيا من شرفه الله بهذا النسب الشريف! إياك أن تغتر بما ينمقه لك أهل التبديل التحريف"انتهت الفتوى. 20"
وبعد: فقد اتضح لنا من خلال هذا الموضوع منزلة آل البيت وفضلهم، وموقف أهل السنة منهم، وتبين لنا أن مجرد الانتساب إلى بيت النبوة لا يكون شرفًا بحد ذاته، إذا لم يصاحبه عمل صالح يقرب صاحبه من الله -تعالى-، وكم من أناس صالحين من خارج النسب النبوي أفضل من كثير ممن هم من سلالة آل البيت الذين لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه! وهل أغنى عن أبي لهب قربه من الرسول-صلى الله عليه وسلم-؟! وهل أغنى عن أبي طالب قربه من رسول الله وقد مات على ملة الأسياد والآباء من قريش؟! وقد قال الحسن بن الحسن لرجل يغلو فيهم: (ويحك! أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعًا أحدًا بقرابة من رسول الله بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق، فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم) . 21 ، وقد أحسن من قال:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارس وقد وضع الشركُ الشقيَّ أبا لهب
فما الحسب الموروث إن در دره لمحتسبٍ إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة من الثمرات اعتده الناس في الحطب
نسأل الله العلي الكبير أن يتوفنا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، وأن يميتنا شهداء في سبيله؛حتى ننال الأجر الكبير يوم العرض عليه. . إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
1-لسان العرب 1/171.
2-انظر منهاج السنة (7 /75-78) .
3-رواه مسلم في صحيحه (2408) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل على بن أبي طالب.
4-رواه الترمذي (3205) . ورواه مسلم بمعناه (2424) .
5-رواه البخاري (6360) كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم؟. ومسلم (407) كتاب الصلاة ، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد.
6-منهاج السنة (7 /76) (4 /24) .
7-رواه مسلم (1072) كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة.
8-رواه مسلم (2276) كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.
9-انظر شرح مقدمة التفسير، لابن عثيمين ص108.
10-تفسير ابن كثير (4/113) .
11-انظر أواخر متن العقيدة الطحاوية.
12-شرح الطحاوية (2/737) .
13-رواه البخاري (3712) كتاب المناقب، باب مناقب قرابة الرسول ومنقبة فاطمة بنت النبي. ومسلم (1759) كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي: لا نورث ما تركنا فهو صدقة.
14-انظر السيرة النبوية لابن هشام وغيره عند سياقهم لغزوة فتح مكة.
15-رواه الترمذي (3891) وأبو داود (1197) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (564) وفي غيره.
16-رواه البخاري (3677) كتاب المناقب، قاب قول النبي: لو كنت متخذًا خليلًا. ومسلم (2389) كتاب فضائل الصحابة.
17-انظر (مجلة البيان) العدد100 ص8 وما بعدها، بتصرف وزيادات للأهمية.
18-رواه أحمد (7379) ومسلم (2699) والترمذي (2945) وأبو داود (3643) وابن ماجه (225) والدارمي (344) .
19-رواه البخاري (2753) ، ومسلم (206) .
20-انظر كتاب الشوكاني: (إرشاد السائل إلى دليل المسائل)
21-أخرجه اللالكائي (7/1400) .