فهرس الكتاب

الصفحة 2797 من 9994

وفي لفظ عند أحمد في مسنده أن ربيعة قال(أنظرني يا رسول الله حتى أنظر في أمري، يقول ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن فيها رزقا سيكفيني ويأتيني، فقلت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي، فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به،

قال فأتيت رسول الله فقال لي، ما فعلت يا ربيعة؟

فقلت أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرك بهذا يا ربيعة، وقد كان ربيعة شابا؟

قلت لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك قلت سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، ففكرت في أمري وعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني، فقلت اسأل رسول الله لآخرتي.

قال فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال إني فاعل فاعني على نفسك بكثرة السجود.). هذه هي أمنية ربيعة، وهذا هو الهدف الأول عند ربيعة رضي الله عنه وأرضاه.

إذا فالهدف يكون دائما في مخيلة كل مسلم، الهدف الذي من أجله خلقت هو الفيصل في كل أعمالك وأقوالك وأفعالك وتصرفاتك،لا بد أن يكون الهدف واضحا لك مسلم فهو الضابط له في أعماله، وهو الضابط لحبه وبغضه، لأكله وشربه، بشكله ولبسه، لذهابه ومجيئه، لقيامه وجلوسه، لزوجه وأولاده، لأصحابه وخلانه، لكل شؤون الحياة صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها.

أما إذا ضاع الهدف أو لم يتضح له فإن الإنسان يتخبط فمرة في ضياع، ومرة في هموم، ومرة في صلاح، ومرة في شقاء، وهكذا لا يدري من يرضي ذلك المسكين، حتى وإن كان له عقل وبصر، هكذا إذا ضاع الهدف من الإنسان.

إذا فأول أسباب السلبية ودنو الهمة هو ضياع الهدف، أو الجهل في الغاية التي من أجلها خلقت أيها الأخ الحبيب.

السبب الثاني صحبة ذوو العزائم الواهنة والهمم الدنيئة:

وهذا السبب من أكثر الأسباب تأثيرا، فالإنسان سريع التأثر بمن حوله، ولهذا كان التوجيه النبوي (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) ، والحديث عند الترمذي في كتاب الزهد، وأحمد في الأدب وحسنه الألباني.

أقول إن هذا من أهم أسباب السلبية ودنو الهمة حتى وإن كان أصحابك من الصالحين، لا تعجب نعم حتى وإن كان أصحابك من الصالحين ومن أهل الخير فما داموا أصحاب همم ضعيفة وعزائم واهنة ولا يهمهم إلا مصالحهم الشخصية، والأنس والضحك وقضاء الأوقات بدون فائدة فلا خير فيهم، بل إن صلاحهم حجة عليهم يوم أن يقفوا بين يدي الله عز وجل، فعلى العاقل أن لا يغتر بصحبة الصالحين تاركا عيوب نفسه، بل هذه حيلة نفسية يجب التنبه لها.

قال عمر ابن عبد العزيز (إن لي نفسا تواقة، لقد رأيتني وأنا في المدينة غلاما مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد، ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش والطيب فما علمت أن أحدا من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه، ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل فأنا أرجو ما تقت نفسي إليه من أمر آخرتي) . أنتهي كلامه رحمه الله، هكذا تكون النفس المؤمنة كل ما رغبت بأمر استطاعت أن تحصل عليه، هكذا تكون النفوس مجاهدة صابرة متحملة، حتى تنال ما تريد.

فجاهد نفسك أيها الحبيب، وجاهدي نفسكي أيتها المسلمة، لا نستطيع أن نصل إلى ما يريده الله عز وجل من العزة والتمكين إلا بمجاهدة هذه النفوس. لنجاهد أنفسنا ولنقل لها:

ذريني أنل ما لا ينال من العلا……..فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

أتريدين إدراك المعالي رخيصة……… ولا بد دون الشهد من ابر النحل

ومن الأسباب أيضا نسيان الذنوب:

الغفلة عن الذنوب وقتل الشعور الخطأ، أو إن شئت فقل ضياع الوازع الديني أو النفس اللوامة، أو إن شئت فقل أيضا قلة الخوف من الله عز وجل سبب من الأسباب التي جعلت كثيرا من الناس صفرا، أصبح ذلك الرجل الصفر أسيرا لذنوبه، فهو لا يستطيع التخلص منها، فلا هي (أي الذنوب والمعاصي) دفعته إلى العمل الصالح والإكثار منه لعلها تكون سببا لمحوها وغفرانها، وهذا هو الأصل، الأصل في المسلم أنه إذا أذنب ووقع في السيئات أن يسارع ليعمل صالحا لعلها أن تمحو تلك الذنوب والسيئات، ولذلك قال الحق عز وجل ( إن الحسنات يذهبن السيئات) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ، هذا هو الأصل، ولكن الرجل الصفر كان أسير لذنوبه فلا هي التي دفعته للعمل الصالح، ولا هي أيضا التي جعلته ينظر لنفسه، بل جعلت أسيرا مسكينا ضعيفا خامل النفس أسيرا لها.

الرجل الصفر أسير للمعاصي والذنوب، قيدته وكبلته، فإذا حدثته بالعمل والتحرك شكا لي ضعفه وكثرة ذنوبه، بل ربما ظن بعض الصالحين لكثرة ذنوبه بنفسه النفاق، حتى وإن تحرك وعمل قال أنا منافق، وهو ما زال على ذنوبه ومعاصيه، وهذه شبهة أحرقت علينا كثيرا من الطاقات والعقول والأفكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت