2.أن يتفكر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثواب ذلك، فتمنعه شدة الحرص على ثواب هذه الفضائل عن التشفي والانتقام، وينطفئ عنه غيظه؛ قال الله - تعالى-: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سورة الشورى (37) . وقال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) سورة آل عمران 133-134).
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كتم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء" (19) .
3-أن يتذكر أن الله أقوى وأقدر منه إن مضى في ظلم الناس، وهو أن يقول: قدرة الله علي أعظم من قدرتي على هذا الإنسان ، فلو أمضيت فيه غضبي، لم آمن أن يمضي الله - عزوجل- غضبه علي يوم القيامة فأنا أحوج ما أكون إلى العفو؛ قال الله- تعالى-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (20) سورة الشورى (40) .
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني، فعف عنه لما ذكره قدرة الله - تعالى- (21) .
3.أن يعلم أن غضبه إنما كان من شيء جرى على وفق مراد الله - تعالى- لا على وفق مراده هو فكيف يكون مراد نفسه أولى من مراد الله - تعالى-.
4.أن يتحول عن الحال التي كان عليها، فإن كان قائمًا جلس وإن كان جالسًا اضطجع، وعليه أن يتوضأ أو يستنشق؛ فعن أبي ذر - رضي الله عنه- قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا:"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (22) .
5.أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فعن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لست بمجنون (23) .
6.أن يتحلى بأخلاق من عرف بالحلم وكظم الغيظ والصفح والعفو عن الناس كالأنبياء، وعلى رأسهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا ينتقم لنفسه صلى الله وسلم ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء (24) ، ولم يضرب بيده خادمًا ولا آمره إلا أن يجاهد في سبيل الله (25) .
وخدمه أنس عشر سنين، فما قال له:"أف"قط، ولا قال له لشيء فعله: لم فعلت كذا (26) ، ولا لشيء لم يفعله"إلا فعلت كذا"... وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن (27) ، تعني أنه تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن، كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها قالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه (28) .
وليكن حاله كما حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط، إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه...
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه إلي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف و مشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فأحلم دائبًا أصون به عرضي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم (29) .
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وأله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
1 -انظر موارد الضمان لعبد العزيز السلمان (4/378) .
2 -رواه البخاري ومسلم.
3 -رواه مسلم.
4 -رواه البخاري ومسلم.
5 -رواه البخاري ومسلم.
6 -رواه أحمد.
7 -رواه مسلم.
8 -انظر موارد الضمان (4/379) .
9 -موارد الظمآن لعبد العزيز السلمان ( 4/380 - 382) .
10 -انظر إحياء علوم الدين: 3/247.وشعب الايمان 6/527
11 -رواه البخاري .
12 -أحمد.
13 -رواه البخاري ومسلم.
14 -انظر جامع العلوم والحكم1/368.
15 -إحياء علوم الدين 3/246.
16 -الفوائد 59.
17 -موارد الضمان 4/380.
18 -جامع العلوم والحكم (1/363- 364) ..
19 -رواه أحمد. وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير .
20 -انظر أدب الدنيا والدين للما وردي ( 252) . ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
21 -المصدر السابق (251) .
22 -رواه أحمد وأبو داود وذكره الألباني في صحيح أبي داود برقم (4000) والمشكاة برقم (5114) .
23 -رواه البخاري ومسلم.
24 -رواه البخاري ومسلم.
25 -رواه مسلم.
26 -رواه البخاري ومسلم .
27 -رواه مسلم وأحد.
28 -انظر جامع العلوم والحكم 1/369-370
29 -انظر آداب الدنيا للما وردي 247 ط: دار الكتب العلمية: بيروت لبنان.