فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 9994

أيها المؤمنون:

إن الغضب المحمود أن يكون لله ولدين الله فإذا اعتدي على الإسلام بالطعن والتشهير أو التشكيك فيه،كما يفعل المستشرقون والمستغربون والملحدون، ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، الملبسون على الأغرار، والجهال فيجب أن نغضب انتصارًا لدين الله ودفاعًا عن شرعيته.

وما أكثر هؤلاء في أيامنا هذه، ممن يعتز بهم كثير من الناس

فإذا أصاخ بسمعة ملؤوه من كذب وتلبيس ومن بهتان

فيرى ويسمع فشرهم فشا يا محنة العينين والآذان

فتحوا جراب الجهل مع كذب فخذ واحمل بلا كيل ولا ميزان

وأتوا إلى قلب المطاع ففتشوا عما هناك ليدخلوا بأمان

فإذا بدا غرض لهم دخلوا به منه إليه كحيلة الشيطان

فإذا رأوه هش نحو حديثهم ظفروا وقالوا ويح آل فلان

فإذا هم غرسوا العداوة واظبوا سقي الغراس كفعل ذي البستان

حتى إذا ما أثمرت ودنا لهم وقت الجذاذ وصار ذا إمكان

ركبوا على جرد لهم وحمية واستنجدوا بعساكر الشيطان

فهنالك ابتليت جنود الله من جند اللعين بسائر الألوان

ضربا وحبسا ثم تكفيرا وتبعيدا وشتما ظاهر البهتان

ومن الغضب المحمود الغضب على من تعدى علي بلاد إسلامية، أو اعتدى على مسلم، أو مدح غير الدين الإسلامي، أو ذكر الله أو كتابه أو ملائكته أو رسله بسوء، أو سب صحابيًا أو إماما مشهورًا بالتقوى والورع والاستقامة، أو طعن في أهل العلم، أو كذب على الله أو على رسله؛ أو أحل شيئًا من المحرمات أو حرم شيئًا مما أحله الله، أو استهان بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله وسلم أو كتب أهل العلم المحققين مثل الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة والموفق والمجد وابن أبي عمر وشيخ الإٍسلام وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن مفلح ونحوهم من العلماء المشهورين بالاستقامة والبعد عن البدع.

ومن الغضب الممدوح الغضب على من مدح الكفرة والمنافقين وأئمة الضلال والحيارى؛ كابن عربي وابن رشد والفارابي وابن سيناء وابن كلاب والعفيف التلمساني، وابن سبعين، وابن الفارض، وابن الرواندي، والكوثري، والبوصيري، والمعري، ونحو هؤلاء من الملاحدة والزنادقة والمبتدعة والفسقة والظلمة وأعوانهم.

ومن الغضب المحمود الغضب على من ابتدع في الدين بدعًا أو نشرها أو دعا إليها، أو مدح محليها، أو مدح الكفار، أو مدح الملاهي والمنكرات التي حطمت الأخلاق وقضت عليها وأتلفت الأموال، وقتلت الأوقات، وأورثت الخلق أفانين العداوات، وأحدثت التفرق في البيوت والقلوب...

إن الملاهي ألقت بيننا إحنًا وأورثتنا أفانين العداوات

وهل أصيب شباب اليوم وانحرفوا إلا بتقليد أصحاب الضلالات

من كان أهوج لا دين ولا أدب ولا حياء ومعدوم المرؤات

يقلد الكفر في تطويل أظفره أقبح به من سفيه عاث (9)

وعلى هذا النوع من الغضب المحمود يحمل قول الإمام الشافعي - رحمه الله -: من استغضب فلم يغضب فهو حمار (10) .

أيها الناس: أما الغضب المذموم شرعًا وعقلًا فهو الغضب الطائش الذي فيه حب الانتقام والإعجاب بالنفس، أو من أجل القبيلة والحزب وما أشبه ذلك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: أوصني . قال:"لا تغضب". فردد مرارًا. قال:"لا تغضب" (11) .

وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني: قال:"لا تغضب". قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله وسلم ما قال، فإذا الغضب تجمع الشر كله (12) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (13) .

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا خطب قال في خطبته: أفلح من عصم من الهوى والغضب والطمع (14) .

وقال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب، وما علمك بأمانته إذا لم يطمع (15) .

وقال ابن القيم -رحمه الله-: دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثت شكًا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، وباب غضب أورثت العدوان على خلقه (16) .

أيها المسلمون: فالغضب المذموم هو الذي يعمي صاحبه عن الحق، ويفقده بصره البصيرة، والفكر فتأخذه بالغرة بالإثم، ويعرض عن النصح إذا نصح، وربما زاد هيجانًا، وإذا روجع في قول ازداد سخطًا ومجاجًا. وقد يحدث منه ضرر على من حوله، وتجده متغيرًا لونه، مرتعشة أعضاؤه، زائغًا بصره، وكالأعمى يسب الجماد والحيوان، ويبطش بكل ما يصادفه، حتى أنه يتلف الأثاث والرياش، وربما لا يشفي غله، وقد يحدث منه طلاق ولعن وسب وشتم، فهذا غضب مذموم قبيح مرذول ينتصر فيه إبليس على هذا الذي لا يملك نفسه عند الغضب كما قيل:

وما غضب الإنسان إلا حماقة إذا كان فيما ليس لله يغضب

ومثل هذا الغضب يهدم الجسم، ويتلف الصحة ويحرم صاحبه الراحة والهناء، ويجعل نظرته إلى الحياة مظلمة سوداء، فالتفريط في الغضب ضعف، والإفراط تهور وجنون (17) .

أسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا إلى العلم والعمل، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، والمبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون: كما أسلفنا أن الغضب طبيعة في الإنسان، ولكن من الناس من يغضب لله ومن أجل الله فيكون غضبه ممدوحًا، ومنهم من يغضب لنفسه وشيطانه وشهوته فيكون غضبه ممقوتًا مذمومًا، ولكن قد يقال: هل لذلك الغضب المذموم من علاج ودواء؟ ..

فنقول: نعم ، يقول ابن رجب -رحمه الله: عند شرحه لحديث:"لا تغضب"يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أن يكون المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالأمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ ) سورة الأعراف (154) فإذا لم يتمثل الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلًا، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقت الإشارة في القرآن بقوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سورة الشورى (37) . وبقوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) سورة آل عمران) 134).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب يتعاطى أسباب تدفع عنه الغضب وتسيكنه، ويمدح من ملك نفسه عند الغضب (18) .

ويمكن وصف العلاج على سبيل الاختصار بالآتي:

1.ذكر الله تعالى؛ فإن ذلك مما يدعوه إلى الخوف منه، وبالتالي طاعة الله، قال الله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) سورة الكهف42 قال عكرمة: يعني إذا غضبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت