الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وأفضل النبيين، وقائد الغر المحجلين، وشافع الناس يوم الدين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. . أما بعد:
فإن الشرف كل الشرف، والعزة كل العزة، والفخر كل الفخر، بالقرب من الله، وحبه سبحانه للعبد، ووضع القبول له في الأرض، وهذا الحب وهذا الشرف وهذا القبول لا يتأتى بالدعاوى الفارغة من الحقيقة، أو بمجرد الانتساب إلى الدين أو الانتساب إلى بيت النبوة، دون عمل صالح يقرب من الله! { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } المؤمنون: 101. فإذا اجتمع إلى تقوى الله-تعالى- شرف الانتساب إلى البيت النبوي، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أما أن يدعي مدعٍ أنه من آل البيت النبوي وهو بعيد كل البعد عن النبي ودينه وسنته وخُلقه وأعماله، فذاك ليس من الله ولا من رسوله في شيء!.. وفي هذا الموضوع المختصر سنبين فضل آل البيت وخصائصهم وموقف أهل السنة منهم، وحكم عصاة أهل البيت.. والله نسأل أن يتقبل منا إنه هو السميع العليم.
المقصود بآل البيت:
الآل في اللغة: من الأَوْل، وهو: الرجوع. وآلُ الرجل: أهل بيته وعياله؛ لأنه إليه مآلهم، وإليهم مآله. 1
وقد اختلف العلماءُ في المقصودِ بآلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم على قولينِ:
القول الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛وهذا القول هو اختيار الأكثرين. ولا شك أن بعضهم أخصُّ بكونه من آل البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من غيرهم. 2
ومن أدلة هذا القول:
أ- حديث (غدير خمّ) عن زيد بن أرقم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- خطبهم، وفيه: أنه حث على التمسك بكتاب الله ورغب فيه، ثم قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ، فقال له: حصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية: قيل مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعَصَبَتُهُ الذين حرموا الصَّدقة مِنْ بعدِهِ). 3
ب- حديث عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي-صلى الله عليه وسلم-: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } الأحزاب: 33، في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرًا) 4
القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه خاصة:ومن أدلة هذا القول:
أ- قوله -تعالى-: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ. . . } حتى قوله: { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } الأحزاب: 30-33 فدخلن في آل البيت ؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه.
ب - ما جاء في روايات حديث الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم- بعد التشهد: (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد) ، قالوا: فإنه مفسر بمثل حديث أبي حميد: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته) 5 ، فجعل مكان الآل: الأزواج، والذرية؛ مُفسِّرًا له بذلك.
ج - أن الله-تعالى-جعل امرأة إبراهيم من آله، فقال: { رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ. . } هود: 73، كما جعل امرأة لوط من أهله، فقال: { إنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلاَّ امْرَأَتَكَ. . } العنكبوت: 33.
وقيل في معنى (الآل) أقوال أخرى لا تصح.
والقول الصحيح الراجح: شمول الآل للقرابة والأزواج، وهو الذي تجتمع عنده الأدلة السابقة، والعجب مِن تعصُّب كلٍّ لقوله! مع أنه لم يرد حصر الآل في أحد القولين السابقين، والقول بأحد القولين يقتضي إهمال بعض الأدلة أو تأويلها، ومعلوم أن الجمع بين الأدلة مع الإمكان أولى من إهمال بعضها، وهذا القول هو اختيارُ كثيرٍ من أهلِ العِلْمِ، وصححه ابن تيمية. 6
ثانيًا: خصائصهم ومناقبهم:
1-خصائصهم:
أ- تحريم أكل الصدقة عليهم، قال-صلى الله عليه وسلم-: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد) . 7
ب- إعطاؤهم خُمُس خمس الغنيمة، وخمس الفيء، قال -تعالى-: { واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . } الأنفال: 41، وقال: { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . } الحشر: 7.
ج- فضل النسب وطهارة الحسب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفاني من بني هاشم) . 8
2-فضائلهم العامة:
أ- تخصيصهم بالصلاة عليهم: وذلك كما في التشهد في الصلاة عليه وعلى آله.
ب- وصية الرسول بهم: كما تقدم.
جـ - أن بقاؤهم أمان للأمة واقتفاؤهم نجاة لها:
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أَما بعد أَلا أيها الناس فإنما أَنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أَولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي) وفي لفظ: (كتاب الله هو حبل الله المتين من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة) رواه مسلم.
د- تنزيههم عن الأعمال الخبيثة:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه مجموع المؤلفات (كتاب الطهارة) (1/5) .
(الطهارة تارة تكون من الأعيان النجسة، وتارة من الأعمال الخبيثة، وتارة من الأعمال المانعة، فمن الأول قوله تعالى:
? وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ? المدثر:4 على أحد الأقوال.
ومن الثاني قوله تعالى: ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ? الأحزاب:33.
ومن الثالث قوله تعالى: ? وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ? المائدة:6. انتهى كلامه رحمه الله.
فدلل رحمه من الآية على أن الله قد طهر أهل البيت عليهم السلام من الأعمال الخبيثة.
د- زيادة محبتهم وموالاتهم على سائر الناس:
فلهم على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة مالا يستحق غيرهم