رابعا: ومن الحذر أيضا حذر العبد من أهله: من أن يحولوا بينه وبين طاعة الله أو الجهاد، كان عبد الرحمن بن مالك الأشجعي كلما أراد الجهاد قامت إليه زوجته وولده يقولون له: إلى من تتركنا، كيف لو قتلت، ماذا نفعل بالحياة من بعدك؟ فيرق لحالهم ويجلس ولا يجاهد، فأنزل رب العزة قوله: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن:14] . عدوا لكم يفعلون فعل العدو في أن يحولوا بينكم وبين طاعة الله سبحانه، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [المنافقون:9] . وليكن واضحا في ذهنك كيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة؟ يقول رب العزة سبحانه: يوم يفر المرء من أخيه % وأمه وأبيه % وصاحبته وبنيه % لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس:34-37] .
يقول عكرمة: (يلقى الرجل زوجته يوم القيامة يقول لها: أي زوج كنت لك؟ تقول: نعم الزوج، فيقول لها: فإني أسألك حسنة واحدة أنجو بها مما أنا فيه، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مما تتخوف منه، أنا أخاف عذاب الله كما أنك تخاف، فتبخل عليه بالحسنة، يلقى الوالد ولده، يقول له: أي والد كنت لك؟ فيقول: نعم الوالد، فيقول: فإني أسألك اليوم حسنة واحدة أنجو بها مما أنا فيه، فيقول: ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مما تتخوف منه) ( [13] ) . فمن الغباء بمكان أن يضيع العبد آخرته بدنيا غيره.
خامسا: ومن الحذر حذر العبد في صحبته: أوصانا رب العزة سبحانه أن نصحب الصالحين فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة:119] . ورسول الله عليه الصلاة والسلام يوضح لنا أثر الصحبة الخيرة والفاسدة فيقول: (( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يعطيك وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ) ) ( [14] ) . إما أن يوقعك في مهلكة وإما أنك لن تسمع منه الكلمة الطيبة، يقول الشاعر:
احذر عدوك مرة و احذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة
لذا كان لابد من التجربة والمحك قبل أن يكون بينك وبينه صحبة، يقول أحد الصالحين: (إذا أردت أن تصحب أحدا فأغضبه، فإذا ذكرك بالخير وحفظ سرك فاحرص عليه فإنه أخوك، وإذا ذكرك بالسوء وكشف سرك فلا تحرص عليه فإنه لئيم) .
سادسا: ومن الحذر أخيرا أن تحذر أعداء الله تعالى، رب العزة بقدرته بعلمه يقول: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا [المائدة:82] . رسول الله عليه الصلاة والسلام، رسولنا قدوتنا يقول: (( ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله ) ) ( [15] ) ، إعلام كامل بعداوة اليهود لنا، تاريخهم الأسود وأنهم لا يربطهم عهد ولا ميثاق، وتجد في الأمة من يصف اليهود بأنهم أبناء العمومة، لعنة الله على أبناء العمومة وعلى من ينتسب إليهم، أو أنه يقول لابد أن يكون بيننا وبينهم مواثيق وعهود، وينسى الغبي ما كان من عهودهم ومن تاريخهم مع الأنبياء ومعنا، في واقعنا الحاضر، ويقف منهم موقف الخادم من سيده، والله يقول: قل أأنتم أعلم أم الله .
إن الذي يعرض عن منهج الله سبحان يفوته السداد والتوفيق، كما وتتقاذفه الوساوس وتعبث به الأهواء فيزن الأمور بموازين الأرض لا السماء، ويزيد الأمر ضلالا وجود علماء السوء الذي يحللون ما حرّم الله ورسوله، فنسأل الله العافية.
وأما وسائل الحذر في إسلامنا فهي كثيرة:
منها التخفي والاستتار: فقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى شعب الجبال، شقوق الجبال، يصلون هناك يوم كانوا بمكة خوفا من بطش الكفار بهم ( [16] ) .
ومن وسائل الحذر أيضا هو التفرق وعدم التجمع، أخذا من قول رب العزة سبحانه: وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة [يوسف:67] . وصية يعقوب عليه السلام لبنيه، قال العلماء: وفي الآية تفسيران، التفسير الأول أنه خشي عليهم من العين، فكلهم إخوة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( العين حق ) ) ( [17] ) ، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ) )وقيل: هو خوفا من أن يلفتوا النظر إليهم لتجمعهم.
ومن وسائل الحذر أيضا هو استخدام المعاريض، هو أن تقول كلاما تقصد به أمرا ويفهم السامع غير الذي تريد، عندما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر ، وفي الطريق مروا بقوم يعرفون أبا بكر ولكنهم لا يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا لأبي بكر: من هذا الذي معك؟ لو قال إنه رسول الله فقريش قد وضعت جائزة لمن يأتي برسول الله حيا أو ميتا، مائة ناقة لمن يأتي برسول الله حيا أو ميتا، فقال لهم أبو بكر: إنه دليلي يدلني على الطريق، ويقصد بالدليل أن رسول الله هو دليله إلى الإسلام، بل هو الدليل للأمة كلها إلى الله عز وجل، ولكن القوم فهموا أنه يعرفه بمعاريج الطريق وسبل السير فيها .