وأيضا لابد من الحذر، لأن من الناس من يعيشون على هفوات الآخرين وأخطائهم، بل قل يعيشون على كلمة الحق إذا قيلت، فيكتبون ويتجسسون والتجسس لا يكون في محيط المسلمين، ولا يكون إلا على أعداء الله عز وجل، ورب العزة يقول: ولا تجسسوا [الحجرات:12] . ويقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يدخل الجنة نمام ) ) ( [5] ) ، وهو الذي ينقل الحديث حتى يوقع الأذى بمن يريد، مر النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين فقال: (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول ) )أي لا يتحفظ من بوله ( [6] ) .
وقد جاء في الأثر: (( لا تقوم الساعة حتى لا يأمن فيه المرء جليسه ) ).
وأما أنواع الحذر:
أولا: فأول الحذر حذر العبد من ذنوبه، إن للحسنة خيرا وبركة كما أن للسيئة غضبا من الله ولعنة، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: (( إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد ) ) ( [7] ) ، وعلى العبد أن يحذر الذنب وأثر الذنب بعد ذلك، على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.
على مستوى الفرد يقول رب العزة سبحانه: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( والذي نفس محمد بيده ما يصيب العبد من خدش عود أو اختلاع عرق أو نكبة بحجر أو عثرة بقدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ) ) ( [8] )
ب - وعلى مستوى الأمة، هلاك الأمة بمعاصيها يكون، وصدق الله العظيم: فأهلكناهم بذنوبهم [الشورى:30] . عندما فتح المسلمون قبرص وسبي أهلها، بكى أبو الدرداء ، قيل له: أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟! قال: (دعك من هذا، إنما أبكي لهوان الخلق على الله، فبينما هي أمة قاهرة قادرة، إذ عصت أمر ربها فصارت إلى ما ترى) .
ثانيا: ومن الحذر أن يحذر العبد إمهال الله واستدراجه: إن من أسماء الله الحليم، كما أن من أسماء الله الصبور، كما أن من أسماء الله المنتقم، من حلم الله عز وجل أنه لا يعجل العقوبة للظالم أو لغيره، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ) ( [9] ) ، ليملي، يمد للظالم في ظلمه .
بل إن الله عز وجل ينعم على العاصي حتى يوغل في المعصية، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه فاعلم أنه استدراج ) )، ثم تلى قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( [10] ) .
ثالثا: ومن الحذر، حذر العبد من نفسه، وصف رب العزة النفس فقال: إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف:53] ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) ) ( [11] ) ، ما تكرهه النفس من بذل وعطاء وجهاد هو الطريق إلى الجنة، وما ترغبه النفس من فحش وحرام هو السبيل إلى النار، وعلى العبد أن يحذر نفسه في حال ضعفها أو قوتها، ففي حال ضعفها أن لا يسيء الظن بالله عز وجل فلا يأس مع الله: ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف:87] . وفي حال قوتها: (( إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ) )، رأى النبي عليه الصلاة والسلام أبا مسعود وهو يضرب غلاما عنده، قال عليه الصلاة والسلام مغضبا: (( اتقِ من هو أقدر عليك منك عليه ) )، يقول: فالتفت فإذا رسول الله غاضب، فقلت: هو حر لوجه الله يا رسول الله، قال: (( والله لو لم تقلها لمستك النار ) ) ( [12] ) . أصحاب النفوس العلية الكريمة إذا وسّع الله عليهم لم يزدادوا إلا تواضعا وذلة لله وللمؤمنين، عمر بن الخطاب على جلالة قدره، ويدمر رب العزة دولة كسرى وفارس تحت قدمه، ويحكم ثلث العالم في وقته، وقف على المنبر والناس عند قدمه، فتعجبه نفسه فيقول - مخاطبا لنفسه: (لقد كنت تسمى عميرا، ولقد كنت ترعى غنميات لآل الخطاب، على تمرات تأكلها وتسد بها جوعتك، ثم أصبحت تسمى عمرا، ثم أصبح يقال لك: أمير المؤمنين) ، ثم ترك المنبر ونزل، سأله الناس، لماذا قلت هذا يا أمير المؤمنين ؟! قال: (أعجبتني نفسي فأردت أن أذلها) ، إن الذين تفاجئهم النعمة، ولم يكن عندهم من الدين ما يحفظ لهم تماسك عقولهم وإيمانهم، طغوا وتكبروا واستكبروا ونظروا إلى الخلق نظر احتقار وسخرية واستهزاء، يريد من الناس أن يحترموه ولا يحترم، يريد من الناس أن يقدروه ولا يقدر، نفوس وضيعة لفقدانها الحذر من هذا الأمر.