ثم مع قوم لوط عليه السلام، عندما ارتكب قوم لوط تلك الجريمة البشعة التي تنافي الدين والخلق والكرامة والمروءة، تلك الجريمة الشنعاء التي تتعارض مع الفطرة السليمة، ويقال بأن أولئك القوم هم أول من أحدث هذه الفعلة، ولم يكن لها سابق في هذا الأمر، فبعدما دعاهم نبيهم لوط عليه السلام، وحذرهم بل وعرض عليهم بناته لينكحوهم عن طريق الزواج الشرعي، رفضوا الزواج وأصروا على مقارفة الجريمة، أرسل الله ملائكته وأمرهم أن يمطروهم بحجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين، فكانت الحجارة سلاحاً إلهياً فتاكاً ومدمراً في يد الملائكة. قال الله تعالى: ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ماسبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فانجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين وقال تعالى: قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولايلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد .
ويدور الزمان دورته، ويغزو أبرهة مكة بجيش جرار تتقدمه الفيلة، وهو يريد هدم بيت الله العتيق، ويعجز العرب عن التصدي لهذا الزحف الهائل، أو التحرش به، لضآلة مكانتهم، وتفرقهم الى قبائل متناحرة لايجمعها دين، ولا توحدها عصبية الجنس، ويقفون موقف المترقب العاجز، الذي لايحرك ساكناً، والذي لا يدري ما يفعل، وما يُفعل به ولا ما يراد له، كحالهم هذه الأيام، لايدرون ما يفعلون وما يُفعل بهم، وما يراد لهم، كالريشة في مهب الريح، يقلبها الريح كيف يشاء فلا يجد حيلة زعيم قريش في ذلك الوقت عبدالمطلب، إلا التعلق بأستار الكعبة وهو يردد أرجوزته المشهورة: -
لاهُمّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك لايغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك
وبعد أن يصل الأمر بقريش مبلغاً عظيماً، حيث بلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وتركوا الديار وخرجوا من مكة لاحول لهم ولاقوة ولاحيلة. عندها يرسل الله جل وعلا بعضاً من جنوده، طيور تنزل من السماء تحمل حجارة من طين، فترسل هذه الطيور تلك الحجارة الصغيرة، فتنزل على ذلك الجيش كالقنابل فتحرقهم وتتركهم كأوراق الشجر الجافة المحترقة، ويحفظ الله بيته، ويسجل القرآن الكريم وقائع هذه الحادثة في سورة كريمة، يذكّر الناس بأن الكون وما فيه يأتمر بأمر خالقه ويتحرك بمشيئته. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول [الفيل] .
تأملوا رحمكم الله هذه القصة العجيبة، لو لم يخبرنا الله بها في كتابه، ثم جاء أحد وقص علينا هذه القصة، بأن أحجاراً صغيرة يمكن أن تدمر جيشاً جراراً كاملاً بخيله ورجله، ماصدقه أحد، لأننا نعلم ضعف الأحجار الصغيرة أمام قوة الجيوش وعتاد الدول، لكن عندما نعلم بأن هذا الحجر هو الآن جندي من جنود الله يؤثر بأمر الله جل وعلا، ندرك بأنه يمكن بهذه الحجارة فعل الشيء الكثير.
وأظن أنكم تذكرون قبل سنوات، وفي الأرض التي بارك الله فيها، أرض فلسطين التي بيعت بثمن بخس دراهم معدودة، لا شك أنكم سمعتم بأطفال الحجارة، أطفال لم يبلغوا سن الرشد، يقذفون اليهود بالحجارة، بعد أن لم يجدوا حيلة، انتظروا طويلاً نجدة الأهل والعشيرة، ونخوة العروبة والقبيلة، فلم يصلهم منهم سوى عبارات الاستنكار والتنديد، والوعود الجوفاء، وانتظروا المنظمات الدولية، وهيئات حقوق الإنسان، فلم يصلهم منهم أيضاً سوى القرارات الورقية، والوعود الكاذبة، فاذا بهم يلتقطون حجارة من الأرض، يرمون بها اليهود وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى فكانت لتلك الحجارة وقع ودويّ تحدّث عنه الإعلام العالمي في وقته، وخافه اليهود أشد الخوف وهم يملكون القنابل المحرقة والأسلحة الفتاكة، لأن الحجر الآن جندي من جنود الله، مأمورة بأمره، فأثارت الرعب والفزع في نفوس اليهود الجبناء ومن ورائهم من الغرب الصليبي الحاقد، فعقدت مؤتمرات وتحركت المؤسسات ونشطت الدراسات في وقته، لدراسة هذه الظاهرة، حتى تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبر أطفال الحجارة، لأنهم يعلمون بأن القضية ليست أحجار في أيدي أطفال، إنها أيد متوضئة مؤمنة، لو تحركت فعلت الأفاعيل، ولو من غير حجارة، والعدو قد جرب المواجهة مع المسلمين الصادقين، ويعلم النتيجة مسبقاً.
سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا
وليس على الله بعزيز أن يهلك هذه العصابة الظالمة المتعدية من يهود بحجارة، كما أهلك أبرهة وجنوده بحجارة الطير الأبابيل.