أعد صلاح الدين رجاله وهيأ الجو العام للجهاد في سبيل الله، وكان الرجل مشغوفاً بالجهاد، من أراد من الناس أن يتقرب إليه وأن يتحدث له، حدثه عن الجهاد، فإذا حدثه عن الجهاد انشرح صدره وانفرجت أساريره وذهب عنه الهم والتعب والمعاناة، فكان يعشق الجهاد عشقاً، هكذا كان صلاح الدين، وكان رجلاً مصلياً لله، لم يدع الصلاة في جماعة عدة سنين، كان لا يصلي إلا في جماعة حتى أنه إذا أصابه مرض أو إعياء يطلب الإمام في خيمته التي ينزل بها أو في بيته الذي يسكن فيه ليصلي به إماماً وهو مريض، حتى لا يدع الجماعة، وكان رجلاً عادلاً يقيم مجلساً للنظر في مظالم الخلق وفي إنصاف المظلومين كل يوم اثنين ويوم خميس من كل أسبوع ويجتمع وحوله القضاة والعلماء والصالحون ويأتي الناس من كل حدب وصوب، الكبير والصغير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، كل من عنده مظلمة يأتي ليشكو إليه مظلمته، فيرفع عنه الظلم ويعيد إليه الحق، ولو كان عند أقرب الناس إليه أو آثر الناس لديه أو أعز الناس عليه، يرغمه على أن يعطي الحق لأهله، وكان رجلاً عفيفاً عن المال الحرام، حتى إنه حينما توفي نظروا في خزانته فلم يجدوا فيها إلا سبعة وأربعين درهماً من الفضة وقطعة ذهبية واحدة، وجدوها في خزانة هذا الرجل الذي فتح الفتوح وغنم الغنائم من الصليبيين في بلاد شتى، فتح نحو مائة مدينة من المدن، ولا شك أنه غنم فيها الكثير وغنم منها الكثير، ولكنه أنفق ذلك كله في الجهاد في سبيل الله وفي تجهيز الجيوش والجنود، فحينما مات لم يجدوا في خزانته إلا هذا المبلغ الضئيل وكان هذا الرجل رجلاً حليماً لا يغضب إذا أسيء إليه، وكم من مرة تناوله بعض الناس بما يغضب أو ربما وقع عليه شيء يحسب الناس أنه سيطير من الغضب ويفزع ولكنه كان حليماً متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم
مثل على شجاعته
وكان رجلاً شجاعاً لا يهاب الموت، لا يخشى أن يموت بل إنه في وقت من الأوقات ركب البحر وكان كاتبه العماد الأصفهاني يخاف من البحر ولكنه وجد هذا القائد لا يبالي بالبحر وقد هاج فحدثه بما في نفسه أنه خاف فكيف لا تخاف أنت، فقال له: ما هي أشرف الميتات، قال أشرف الميتات الموت في سبيل الله، قال فهذه هي غايتي، غايتي أن أموت أشرف الميتات، لا أموت على فراشي أحسن ما أموت عليه أن أموت في سبيل الله، أن تصيبني ضربة بسيف أو رمية برمح أو طعنة بسهم فأقتل في سبيل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) ، كان يلاقي جيوش الفرنجة أو الصليبيين وهم بعشرات الألوف ولكنه لم يكن يبالي بهذه الكثرة، مؤمناً بقول الله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) ،
كان رجلاً سمحاً كريم الخلق
في معركته الفاصلة مع الصليبيين، معركة حطين، هذه المعركة كان الصليبيون أكثر من ستين ألفاً وكان جيش صلاح الدين اثني عشر ألفا من الجنود المجندين غير بعض آلاف من المتطوعة، كان جيش صلاح الدين لا يساوي ربع جيش الصليبيين ولكنه توكل على الله عز وجل وحينما أراد أن يلقاهم عند هذه البلدة، الصغيرة أو القرية الصغيرة التي نعرف اسمها حطين، اجتمع الصليبيون وتصالحوا فيما بينهم، زال الخلاف بينهم، كان بعضهم مختلفين مع بعض، ولكن عندما يجدون العدو القوي ينسون الخلافات، وهذا هو شأن العقلاء من الناس، نسوا الخلافات وتجمعوا بقضهم وقضيضهم أو كما قال ابن كثير في البداية والنهاية، بحدهم وحديدهم وفي مقدمتهم الصليب الكبير، صليب الصلبوت كما يسمونه يحمله منهم عباد الطاغوت وضلال الناسوت كما يقول ابن كثير، اجتمعوا كلهم.
أمير طرابلس وأمراء البلدان الأخرى وكان أشدهم على المسلمين أمير الكرت، حتى أن أمير طرابلس هذا قال له أن المسلمين أشداء فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا من كثرتهم وسترى عند النزال من تكون له العاقبة، هذا رجل فاجر، أمير الكرت هذا، وحينما كانت المعركة فر أمير طرابلس ووقع أمير الكرت أسيراً في يد صلاح الدين، وكان صلاح الدين رجلاً سمحاً كريم الخلق، كان يعامل الناس معاملة حسنة، فأجلس هؤلاء الملوك والأمراء بعضهم عن يمينه وبعضهم عن يساره، كبيرهم أقعده عن يمينه، وأعطاه كأس من اللبن فشرب منه ثم أعطاه لهذا الرجل أمير الكرت، فغضب صلاح الدين وقال له إنما أعطيتك لتشرب ولم آذن تعطيه هذا، ثم دخل خيمة أخرى ودعا بهذا الرجل كان يسمى رياض، وعرض عليه الإسلام ليعفيه من القتل فأبى فقال له إذن ليس لك عندي إلا القتل انتصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان كثير السب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله وأرسل برأسه إلى الملوك في الخيمة الكبرى ليروا عاقبة هذا الإنسان الفاجر الذي لا خلق له ولا دين له.
معركة حطين