ويقول آخر:"القعيد الذي أقام العالم حين تراه وتسمع عن إنجازاته تدرك تماماً قول الله - جل وعلا - في الحديث القدسي: ( فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به ، وسمعه الذي يسمع به ، ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ) ".
وهو الذي يقول كما قال بعضهم بلسان حاله:"إن الروح إذا سمت فعلت الأفاعيل ولو كانت قعيدة كرسي متحرك ، وإن كانت حديثة شللٍ بيّن ؛ فإن الروح وسموها يرتفع إلى الله عز وجل ، ولم يقطع حبلها بربها أحد ، ولم يمنعها من الانتصار حبس .. انتصر الرجل - والله - رغم هزيمة الأمة فحق أن يقال عنه إنه كان وحده أمة تقبل الله الشهيد في الشهداء".
نسأل الله - عز وجل - أن يتقدمه في الشهداء ، وأن يسكنه فسيح جناته ، وأن يجعل دماءه لعنة على الظالمين والطغاة المجرمين من اليهود وأعوانهم أجمعين ، وأن يجعله وقود حركةٍ وإيمانٍ وغيرةٍ ووحدةٍ ونصرة وعزة ومقاومة في أمة الإسلام والمسلمين .
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زادٍ يقدم به العبد على مولاه ، وإن أمتنا الإسلامية أمةً عظيمة ولم ينقطع خيرها ولا أبطالها ولا رجالها .
وقد أكدّت الأحداث الماضية - وتؤكد حادثة استشهاد الشيخ - هذا المعنى ، وكلنا مدعوون إلى أن يكون لنا إسهام ودور ، أرجو أن لا يسأل عنه أحدٌ سؤال التائه المتحير بعد كل هذه المعاني .
ثم أيضاً أحب أن أشير إلى أن هذا الفعل هو يجلي كثيراً من المعاني والدروس - والمقام لا يتسع لها - لكنه يظهر بوضوحٍ وجلاءٍ الخسة والدناءة والإجرام والإرهاب لشذاذ الأرض وأفاكيها من عصبة الإجرام من الصهاينة في أرض الإسراء .
ثم هو يكشف - كذلك - التآمر والتأييد المطلق لهذا الكيان الصهيوني الباغي بدعمه مالياً ، وإعطاءه الأسلحة التي يفتك بها ، ثم بالتستر والتأييد على جرائمه حتى لا يكون هناك أدنى شكٍ في مواقف أمريكا وما تقوله وما تزعمه لدى أي إنسانٍ مسلمٍ مؤمنٍ عاقلٍ رغم كل الحوادث التي سبقت ومثل هذه الحادثة التي وقعت .
ثم ثالثة ألا تعويل على ما يقال من الرأي العالمي ، ومن الموقف الدولي ، ومن الضغوط الدولية رباعيةً أو سداسيةً أو سباعيةً أو أهراميةً أو ثلاثيةً كما نسمع حتى مللنا السماع .
وأيضاًً ؛ فإن هناك وضوحٌ في أن هذه المسيرة السلمية التي مازال الحديث عنها رغم كل شيءٍ يتكرر .. إنها محاولة لإحياء ميتٍ قد نزعت روحه ، وفاضت إلى بارئها ؛ فإن كان بالإمكان إحياء الميت فبالإمكان أن نصدق أن هذا الأمر حقيقيٌ وواقعٌ كما يقال ويروّج له .
وأيضاًً ؛ فإن هذا ليس دليل قوةٍ عند تلك الدولة الباغية ، بل هو دليل ضعفٍ وهلعٍ وخوفٍ وجزعٍ من أولئك القوم الذين تحركوا ونهضوا .
وأخيرً - أيها الاخوة الكرام - وليس آخراً ؛ فإن الدروس الكثيرة التي نحتاج إليها في هذا المعنى عظيمة جداً ؛ لعلي أشير إلى أن الاعتزاز بالإيمان ، والالتزام بالإسلام هو الذي يعطي لصاحبه القيمة العظمى والمكانة الكبرى ، والقدر الكبير في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة - بإذن الله - وإلا فما قيمة رجلٍ مشلول اليدين والرجلين ، أعمى إحدى العينين ، قعيد لا يتحرك ، لكن الدنيا كلها حتى الدول العظمى تحدثت عنه سلباً أو إيجاباً فرض نفسه ووجوده على العالم كله ، أما في قلوب المؤمنين والمسلمين فكأنما فقدوا أعز من آبائهم وأبناءهم ، وكأنما فقدوا أملاً عظيمً لكنه على هذا النحو الذي أجراه الله عز وجل وقدّره .. أصبح مساراً جديداً ونوراً على الطريق .. نسأل الله - عز وجل - أن يكون له أثره الميمون والمبارك ، وهكذا ينبغي أن يكون منا جميعاً .
هلل الشعب وكبر *** قائلاً الله أكبر
شرعة الحق لها *** نصرٌ من الله مؤزر
فلتعد أيام مجدٍ *** وليعد تاجي المؤزر
قد دنى يوم جهادٍ *** دربه صعب مغبر
كرم الله شهيداً *** جاد بالروح وشمر
لم يكن يخشى الأعادي *** لا ولا في الحرب أدبر
فهو في جنات عدنٍ *** بنعيم الله يفخر
ينبغي لنا أن نعظم يقيننا بإيماننا وإسلامنا ، وشموخنا واستعلائنا بعزتنا الإيمانية والإسلامية ، ولن ترهبنا القوى العظمى ولا الصغرى ، ولا التحالفات ولا التصنيفات الإرهابية التي توزع يميناً ويساراً ؛ فإن كذبها وفضحها قد صار ظاهراً لكل ذي بصرٍ وبصيرة ..
فنسأل الله - عز وجل - أن يخلف الأمة في شهيدها خيراً ، وأن يجعل في شهادة نفعاً وأثراً ، وأن يلحقنا به وبغيره من الصالحين والدعاة والمجاهدين على خير ما يحب ربنا ويرضى ، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين ، وأن يستخدمنا في نصرة الدين ، وأن يكتبنا في ركب المجاهدين ، وأن يجعلنا من ورثة جنةٍ النعيم ..