وكذلك أرض اليمن أرض مباركة بدعاء النبي: (( اللهم بارك لنا في يمننا ) )،ولا عبرة أيضاً بوضعها الحالي وما تعيشه من أوضاع ،روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: (( أتاكم أهل اليمن ،هم أرق أفئدة ،وألين قلوباً ،الإيمان يمان والحكمة يمانية ) ).
وأيضاً مما ورد في الشرع أن فيه البركة: المطر: ونزلنا من السماء ماء مباركا .
وأيضاً: شجرة الزيتون قال تعالى: يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم يمسسه نار .
وأيضاً: الخيل قال: (( البركة في نواصي الخيل ) ) [البخاري] .
وهذه البركة لارتباطها بالجهاد في سبيل الله: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم قال: (( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ،الأجر والمغنم ) ) [رواه البخاري] .
وأيضاً النخل قال صلى الله عليه وسلم: (( إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ) ). والمراد بها النخلة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ،فإنه بركة ) ) [رواه أبو داود] .
وأيضاً: الاجتماع على الطعام فإن الله يبارك فيه وأيضاً لعق الأصابع قال: (( إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة ) )وأيضاً بركة السحور: (( تسحروا فإن في السحور بركة ) )وأيضاً ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض قال: (( إنها لمباركة هي طعام طُعم وشفاء سقم ) ).
وأيضاً التبكير قال: (( بورك لأمتي في بكورها ) )ألا فليعلم أولئك الذين ينامون إلى نصف النهار أنهم قد حرموا أنفسهم بركة ذلك اليوم.
وأيضاً يا معاشر التجار الصدق في البيع (( فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) ).
فنسأل الله جل وتعالى أن يبارك لنا في أموالنا. ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
أما بعد:
البركة أيها الأحبة يمنحها ويسلبها المولى جل تعالى، إن العبرة ليست بما تملك من مقومات المادة ،وليست العبرة بما تملك من طاقات وقُدرات ،إذا سلبت البركة من كل ذلك ،بل إن القليل من المادة ،والقليل من الطاقات مع بركة الله ،تفعل الأعاجيب.
فأنت قد تُعطى الملايين ،لكن تنزع منها البركة ،تجد شقاءها في الدنيا قبل الآخرة ،تملك الملايين ،لكن لا تتمتع بها لأن البركة منزوعة ،وقد لا يكون معك إلا راتبك الذي لا يوصلك لآخر الشهر ،لكن يبارك الله في هذا القليل فتعيش حياة الملوك أنت وأولادك.
رجلان ،الأول له عشرة من الولد ،والثاني ليس له إلا بنت واحدة.
تُنزع البركة من الأول ،فهؤلاء العشرة لا ينفعونه بشيء ،بل ربما عانوا هم سبب المتاعب التي يعيشها ،والنكد الذي يعيشه ،ربما مَرِضْ ولا أحد من العشرة يُحس به ،أو يلتفت إليه يمر اليومان والثلاثة والأسبوع ،ولا أحد يسلم عليه.إنهم عشرة ،لكن بدون بركة.
والثاني يطرح الله البركة في هذه البنت ،فتكون قرة عينيَ والديها في الدنيا ،تقوم بحقهما ،وترعى شؤونهما مع أنها متزوجة ولها بيتها ومسئولياتها ،ومع ذلك هي على صلة مستمرة بهما يومياً ،على الأقل ترفع سماعة الهاتف كل ليلة قبل أن تنام لكي تطمئن عليهما ،إنها المنحة الإلهية التي لا تُشترى بالمال ،ولا يجلبها الملك والسلطان وإنما هي بيد من بيده ملكوت كل شيء.
ثم هناك رجلان آخران:
الأول: محسوب على كبار العلماء.
والثاني: طالب علم في أول الطريق.
تجد أن الأول مع ما أوتي من مكانة علمية واجتماعية ،وربما عمّر خمسين أو ستين بل ربما سبعين سنة ،لكن لم يستفد منه أحد لا أثر له ،لا وجود له في الوسط الذي يعيش فيه حتى الحارة التي هو يسكنها لم يستفيدوا من علمه ،نعم إنه مكانه ،ومنصب لكن بدون بركة.
والثاني: طالب العلم هذا لم يعرفه الناس إلا من سبع أو ثمان سنوات، لو ألقى درساً بسيطاً هنا ،لوزعت أشرطته بعد ثلاثة أيام في الصين وكندا ودول أوربا وانتفع الناس بها شرقاً وغرباً. إنها البركة الإلهية التي لا تشترى بالمال ،ولا تكسبها القبيلة ولا العشيرة ولا تجلبها المناصب والهيئات.
اعلم يا عبد الله أن هذا الباب لو أغلقه الله عليك ثم فتح لك كل أبواب الدنيا ،من مال وولد وجاه وسلطان وصحة.فوالله ما هو بنافعك بشيء إنما يكون معها الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء.
واعلم يا عبد الله ،بأن الله لو فتح لك باب البركة فابشر بكل خير ،مع قلة الراتب ،وضيق المسكن ،وانعدام الولد ،وضعف الجاه.
أيها المسلمون: وبعد كل هذا كيف نحصل على البركة؟ إن طريقها واحد لا يتعدد ،والحصول عليه لا يتغير قال الله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون .
من أراد البركة فعليه بالإيمان ،الإيمان الحقيقي لا الإيمان الصوري. من أراد البركة في رزقه وماله وولده وعلمه فعليه بتقوى الله عز وجل في كل شيء.
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم .