فهرس الكتاب

الصفحة 2197 من 9994

عباد الله، إن الأسقام إذا استحكمت وتعقدت حبالها، وترادفت حلقاتها وطال ليلها، فالصبر وحده هو العاصم بأمر الله من الجزع عند الريب، وهو الهداية الواقية من القنوط عند الكرب، فلا يرتاع المؤمن لغيمة تظهر في الأفق، ولو تبعتها أخرى وثالثة، بيد أن الإنسان إبان طبيعته، يتجاهل الحقائق، فيدهش للصعاب إذا لاقته، فينشأ له من طبعه الجزوع، ما يبغض إليه الصبر، ويجعله في حلقه مر المذاق، فيتنجنج ويضيق، ويحاول أن يخرج من حالته على نكظ، فينسى قول خالقه: خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَاتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] .

واستمعوا ـ رعاكم الله ـ إلى ما قصه رسولنا عن مرض أيوب ـ عليه السلام ـ، قال: (( إن أيوب نبي الله، لبث في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله، لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به .

فلما راح إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم، أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي، فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته، أمسكت امرأته بيده.

فلما كان ذات يوم، أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42] . فاستبطأته فبلغته، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء فهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي ـ بارك الله فيك ـ هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدا .

كان أشبه به منك إذ كان صحيحا قال: فإني أنا هو، وكان له أندران؛ أندر القمح وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض )) [رواه ابن حبان والحاكم وصححه الذهبي] [9] .

فانظروا ـ عباد الله ـ، وانظروا إليها ـ أيها المرضى ـ إلى أيوب وصبره، فلقد صدقت الحكمة ولقد صدق قائلها: (( الصبر صبر أيوب ) )ثمان عشرة سنة، وهو يتقلب في مرضه لتكون عاقبة صبره يسرا .

وكثيرا ما تكون الآلام طهورا يسوقه الله بحكمته إلى المؤمنين الصادقين لينزع منهم ما يستهوي ألبابهم من متاع الدنيا، فلا يطول انخذاعهم بها أو ركونهم إليها، ورب ضارة نافعة، بل كم من محنة محوية في طيها منح ورحمات مطوية.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة.

[1] صحيح، سنن أبي داود (4700) .

[2] صحيح مسلم ح (2999) .

[3] مسند أحمد (3/363) ، مستدرك الحاكم (1/346) وصححه ووافقه الذهبي.

[4] صحيح البخاري ح (5648) ، صحيح مسلم ح (2571) .

[5] مسند أحمد (3/23) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/302) : رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات.

[6] صحيح، مسند أحمد (2/440) ، سنن ابن ماجه ح (3470) .

[7] صحيح مسلم ح (4575) .

[8] صحيح، أخرجه النسائي في"عمل اليوم والليلة" (879 ـ 888) ، وابن ماجه (3849) .

[9] صحيح ابن حبان (الإحسان ح(2898) ، مستدرك الحاكم (/581 ـ 582) وصححه ووافقه الذهبي. ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن ثمة أمور يجب أن يعرفها المرضى، فمنها: البشرى لكل مريض أعاقه مرضه عن القيام بالسنن والنوافل التي كان يواظب عليها إبان صحته، بأنها مكتوبة له لا يضيع أجرها، قال رسول الله: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا ) ) [رواه البخاري] [1] .

كما ينبغي التنبه إلى ما يقع فيه بعض المصابين بالمرض النفسي، من العلاج بالمعازف والغناء الذي حرمه الله ورسوله ، فإن شفاء الأمة لم يك قط فيما حرمه الله عليها، ومعلوم أن الأدوية ثلاثة: دواء مشروع، كالرقية والعسل وزمزم ونحوها. ودواء مباح، وهو ما لم يحرمه الشارع. وأدوية محرمة، لا يجوز التداوي بها. وإن لكل داء دواءً علمه من علمه وجهله من جهله.

ثم ليعلم المرضى، أنه لا ينبغي التهاون بالصلاة حال المرض، فيجب أن يصلى الصلوات الخمس في وقتها إن استطاع، فإن لم يستطع جمع بين الظهر العصر، وبين المغرب والعشاء رخصة من الشارع الحكيم، كما يجب عليه أن يتطهر للصلاة التطهر الشرعي، فإن لم يستطع فإنه يتيمم، فإن لم يستطع فإنه يصلي على حاله ولا يدع الصلاة تفوت عن وقتها؛ لأن الله يقول: فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ، ويقول: لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [الأنعام:152] .

ثم ليعلم المرضى أن الأنين والتوجع له حالتان:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت