إن الابتلاء بالأمراض والأسقام، قد يكون هبة من الله ورحمة، ليكفر بها الخطايا ويرفع بها الدرجات، فلقد استأذنت الحمى على النبي فقال: (( من هذه؟ ) )قالت: أم مِلْدَم - وهي كنية الحمى - فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا منها ما يعلم الله، فأتوه فشكوا ذلك إليه فقال: (( ما شئتم؟ إن شئتم أن ادعوا الله لكم فيكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكون لكم طهورا ) )قالوا: يا رسول الله، أو تفعل؟ قال: (( نعم ) )قالوا: فدعها. [رواه أحمد والحاكم بسند جيد] [3] .
وقال: (( ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ) ) [رواه البخاري ومسلم] [4] .
وقال رجل لرسول الله: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها؟ قال: (( كفارات ) )، قال أبي بن كعب، وإن قلّت قال: (( وإن شوكة فما فوقها ) ) [رواه أحمد] [5] .
ولقد عاد رسول الله مريضا من وعك كان به فقال: (( أبشر، فإن الله ـ عز وجل ـ يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا، لتكون حظه من النار من الآخرة ) ) [رواه أحمد وابن ماجة] [6] . والوعك: هو الحمى.
فمن هنا عباد الله، نعلم النتائج الإيجابية التي يثمرها المرض، ونعلم أن مذاقه كالصبر، ولكن عواقبه أحلى من الشهد المصفى، فعلام ـ إذاً ـ يَمْذَلُ أحدنا من المرض يصيبه، أو يسبه ويشتمه، أو يعلل نفسه بليت وليت، وهل ينفع شيئا ليت؟!.
ألا فاعلموا أن رسول الله دخل على أم السائب فقال: (( مالك يا أم السائب تزفزفين؟ ) )قالت: الحمى، لا بارك الله فيها فقال: (( لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ) ) [رواه مسلم] [7] .
ولقد أصاب أحد السلف مرضٌ في قدمه فلم يتوجع ولم يتأوه، بل ابتسم واسترجع فقيل له: يصيبك هذا ولا تتوجع؟! فقال: إن حلاوة ثوابه أنستني مرارة وجعه.
وبعدُ ـ عباد الله ـ فلا يظن مما سبق، أن المرض مطلب منشود، لا وكلا، فإنه لا ينبغي للمؤمن الغر أن يتمنى البلاء، ولا أن يسأل الله أن ينزل به المرض؛ فلقد قال رسول الله: (( سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية ) ) [رواه النسائي وابن ماجه] [8] .
وقال مطرف: (لأن أُعافى فأَشكر أحب إلي من أن أُبتلى فأَصبر) .
ومن هنا نعلم جيدا، أن المرض ليس مقصودا لذاته، وإنما لما يفضي إليه من الصبر والاحتساب وحسن المثوبة، وحمد المنعم على كل حال. قال شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ:"المصائب التي تجري بلا اختيار العبد، كالمرض، وموت العزيز عليه، وأخذ اللصوص ماله، إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة، لكن المصيبة، يكفر بها خطاياه، فإن الثواب إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما يتولد عنها"اهـ. كلامه ـ رحمه الله ـ.
ومن هذا المنطلق ـ عباد الله ـ، اجتمع الكافر والمسلم والبر والفاجر في مصيبة المرض على حد سواء، وافترقا في الثمرة والعاقبة، ولا يسوي بينهما في ذلك إلا أليغُ أرعن، واقع فيما قال ابن مسعود: (إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسما، وأمرضهم قلبا. وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا وأمرضهم جسما، وايم الله، لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم، لكنتم أهون على الله من الجُعلان) .
ودخل سلمان الفارسي على مريض يعوده فقال له: (أبشر، فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا، وإن مرض الفاجر كالبعير؛ عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عُقِل ولم أرسل) .
عباد الله، إن الإسلام حين يرغب في الصبر على البلوى، ويبين ما تنطوي عليه الأسقام من آثار شافية، وحكم كافية، فلا يفهم مخطئ أنه يمجد الآلام، ويكرم الأوجاع والأوصاب، إنما يحمد الإسلام لأهل البلوى وأصحاب الأسقام، رباطة جأشهم وحسن يقينهم مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً [النساء:147] .
اشتكى عروة بن الزبير الآكلة في رجله، فقطعوها من ركبته، وهو صامت لم يئن، وفي ليلته تلك سقط ولد له من سطح فمات، فقال عروة: اللهم لك الحمد، كانوا سبعة من الولد فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فإن كنت أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت لقد عافيت.
فرحم الله عروة وغفر له، فلقد كان بعض المرض عنده أخف من بعض، وبلاؤه أهون من بلاء غيره، فهان عليه مرضه، وهانت عليه بلواه.
وهذا هو ديدن المؤمن، ينظر بعين بصيرته فيحمد الله على أمرين:
أولهما: دفع ما كان يمكن أن يحدث من هَنِيْزَةٍ أكبر؛ حيث علم أن في الزوايا خبايا، وفي البرايا رزايا.
وثانيهما: بقاء ما كان يمكن أن يزول، من صحة غامرة وفضل جزيل، فهو ينظر إلى النعمة الموجودة، قبل أن ينظر إلى النعمة المفقودة .