الثالثة: المشيئة، أي: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ليس في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.
الرابعة: الخلق والتكوين، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد كما دلت على ذلك النصوص.
الأدلة على هذه المراتب:
أولاً: العلم:
قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ اله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر:22] .
قال النسفي:"أي: السرّ والعلانية في الدنيا والآخرة، أو المعدوم والموجود".
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن أولاد المشركين قال: (( الله أعلم بما كانوا عاملين ) ).
وبوّب البخاري في كتاب القدر:"باب جفّ القلم على علم الله".
قال الحافظ: ابن حجر معلقاً:"أي: على حكمه لأن معلومه لا بدّ أن يقع، فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه".
ثانياً: الكتابة:
قال تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:68] .
قال العلامة ابن سعدي:" {لَّوْلاَ كِتَابٌ مّنَ اللَّهِ سَبَقَ} به القضاء والقدر، أنه أحلّ لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم ـ أيتها الأمة ـ العذاب، {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ".
والدليل من السنة على هذه المرتبة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) )، قال: (( وكان عرشه على الماء ) ).
قال النووي:"قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له، وقوله (( وعرشه على الماء ) )أي: قبل خلقه السماوات والأرض".
ثالثاً: المشيئة:
ودليلها من القرآن قوله تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ b وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:28، 29] .
قال القرطبي:"فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه، وقال الحسن: والله، ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها، وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وفي التنزيل: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الأنعام:111] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس:100] ، وقال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء} [القصص:56] ، والآي في هذا كثيرة، وكذلك الأخبار وأن الله سبحانه هدى بالإسلام وأضل بالكفر كما تقدم في غير موضع".
قال ابن كثير:"أي: ليست المشيئة موكولةً إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين، قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ".
ومن السنة ما رواه أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له ) ).
قال الحافظ ابن حجر:"قوله: (( لا مستكره له ) )أي: لأن التعليق يوهم إمكان إعطائه على غير المشيئة، وليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله لا مكره له".
هذا وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد"باب: في المشيئة والإرادة"، قال ابن بطال:"معنى هذا الباب: إثبات المشيئة والإرادة لله تعالى".
رابعاً: الخلق:
قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:95-96] .
قال الحافظ ابن كثير:"يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون تقدير الكلام: خلقكم وعملَكم، ويحتمل أن تكون بمعنى (الذي) تقديره: والله خلقكم والذي تعلمونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر".
ومن السنة حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عبد الله بن قيس، ألا أدلّك على كنز من كنوز الجنة؟ ) )فقلت: بلى يا رسول الله، قال: (( قل: لا حول ولا وقوة إلا بالله ) ).
قال النووي في بيان سبب كون هذه الكلمة كنزا من كنوز الجنة:"قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادّ لأمره، وإن العبد لا يملك شيئاً من الأمر".
د- حدود نظر العقل في القدر: